أهلاً وسهلاً بالجميع في روضة من رياض الفكر العربي ... شبكة منتديات أساتذة نجران ومثقفوها

   حقيقة محمد عبدالله المكرمي (اخر مشاركة : القرن 21 - عددالردود : 13 - عددالزوار : 1571 )           »          قال لي : ليس شرط وجود نص كتابي على الداعي الخلف .... وهنا الدليل (اخر مشاركة : القرن 21 - عددالردود : 35 - عددالزوار : 2958 )           »          بدت الأمور تتكشف فسامحونا (اخر مشاركة : القرن 21 - عددالردود : 53 - عددالزوار : 4046 )           »          هل نحن مؤمنين او مسلمين .....؟ (اخر مشاركة : عناد(النجف) - عددالردود : 10 - عددالزوار : 568 )           »          ۩ جمعــة مباركة ۩ (اخر مشاركة : مسفر ال سليم - عددالردود : 137 - عددالزوار : 21264 )           »          صوره بكره مزيونه مجهم للبيع (اخر مشاركة : jgjc 999 - عددالردود : 9 - عددالزوار : 9124 )           »          ●° الديــــوانية °● (اخر مشاركة : محمد آل شرية - عددالردود : 38357 - عددالزوار : 679629 )           »          نهر طالوت (اخر مشاركة : الفلك جميل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 343 )           »          إستفسار أخواني المشرفين.. (اخر مشاركة : المنيب - عددالردود : 4 - عددالزوار : 2243 )           »          بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك .....كل عام والأمة الإسلامية بخيروسلام (اخر مشاركة : بلوتو - عددالردود : 20 - عددالزوار : 2901 )           »              

 

العودة   شبكة منتديات أساتذة نجران ومثقفوها > ๑۩۞۩๑الـمـنـتـديــــات الـعــامـــة๑۩۞۩ > المنتـــدى الإســلامي

المنتـــدى الإســلامي منتدى يعنى بكل القضايا الإسلامية التي لا تجريح فيها لأحد

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
 
 
 

قديم 02-05-2005, 07:29 AM رقم المشاركة : 1
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

سيرة أهل البيت الأطهار منذ وفاة الرسول الأعظم حتى الأمام الطيب ابوالقاسم سابع المتمين

سيرة أهـــل البيت الاطهار منذ وفاة الرسول الأعظم حتى الامام الطيب أبو القاسم ( سابع الاشهاد )
وقبل أن نبدأ بأهل البيت نتناول نبذة بسيطه عن الرسول الاعظـــــــــــــــم .


الرســـــــــــــــول الأعظم


وما كانت الجزيرة العربية - بل الإنسانية - يوماً بأحوج منها إلى موعد، كالموعد الذي وافاها به هذا الفجر البازغ من اليوم السابع عشر من ربيع الأول من السنة الموافقة لعام الفيل.
لقد تمت، مع هذا الصباح الأبلج، ولادةُ طفلٍ سوف يعجن الجزيرة بعضها ببعض، وليطل بها على العالم أفقاً تتوزع عليه قبب المنائر.
ونما الفتى، ونمت معه غُلفُ الأسرار، ونما معه السكون، وعمق السكون، وأخذ يستقطب إليه النظرات، لقد اشتدت حوله علائم الاستفسار: هل هو عاصفةٌ تسير من بعيد؟
أم أنه هدوءٌ يحوم في عاصفة؟
أم سحاباً يتكاثف؟
لقد شب الفتى. لقد أصبح غزير الرؤى، عميق الغور، بعيد اللفتات. لقد أصبح تتفتق خلف جبينه أثقال المجاني، لقد أصبح تلمعُ في عينيه شهبُ المعاني، لقد تكسرت على شفتيه أبعاد الخيال، كما تتكسر على الشاطئ كرات الأمواج.
فهي إذاً أمام رجل تتراءى عليه الانعكاسات: سريرةٌ بيضاء على بشرةٍ بيضاء، عين دعجاء تحت بصيرة فيحاء، عنق كأبريق فضَّة كأن يداً تناوله منهلاً من كوثر، كفَّ من ندى، قدم من صخر، عينٌ من بريق، كتفان من أثقال، مشية إلى هدف، قامةُ إلى تطاول، فمٌ إلى صدق ودعاء وابتهال، تلك أبرز المظاهر كانت تتراءى على محمد (صلى الله عليه وآله) منذ الطفولة.
محمد (صلى الله عليه وآله) ذلك الإنسان العظيم... خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، خيرة الله من خلقه، حبيبه وصفيه، وأمينه، وربيبه.
تلك الشخصية الفذة التي لا يمكن لأي من عظماء البشر الرقي إلى مصافها وعظمتها، ولا حتى محاولة المقارنة بها، ابتداءً من بدء الحياة في هذا الكون، إلى ما ينتهي إليه.
الصادق الأمين، الذي جاء لخير البشرية جمعاء، دون تخصيص فئوي، دون حصر بجماعة محدودة، أو مجتمع معين.
ذلك العظيم الذي قال - وقوله صدق - وفي قوله نفحات سماوية وسمات ربانية.. قال (صلى الله عليه وآله): (خير الناس من نفع الناس) نعم كل الناس.. لأنه أرادها مطلقة لكل الناس. لم يقل خير الناس نفع المسلمين فقط!! أراد (عليه الصلاة والسلام) النفع والخير للناس عامة دون استثناء لدين أو لقومية أو لعرق..
أراد الخير لكل البشر على اختلاف معتقداتهم ومللهم ودياناتهم، كيف لا، وهو رسول الإنسانية.. رسول المحبة.. رسول السلام.. رسول الله لكل خلق الله.. هذا العظيم الذي استمد عظمته من عظمة الله سبحانه وتعالى.. الذي علّمه وأدّبه.. فأحسن تأديبه، وأجاد تعليمه، حتى كان حقاً ربيباً لوحيه.
هذا الإنسان الذي لم ينجب كوكبنا هذا نظيراً له.. ولا مثيلاً لإنسانيته، ولا قريناً لخلقه، حتى خاطبه خالقه قائلاً: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم) [سورة القلم: الآية 44] وتلك شهادة ما بعدها شهادة، لم يقلها سبحانه وتعالى لأي من أنبيائه ورسله الكرام، لم يخاطب بها أو بمعناها، إلا خاتم أنبيائه.. محمد بن عبد الله.. حبيبه وصفيه.. ومبلغ آخر رسالاته وأتمها.
ولا يمكن إعطاء هذا العظيم حقه، بما هو فيه من شأن عظيم، مهما كتبنا عنه، عمّا يتحلّى به من روائع الصفحات، وما يتصف به من معجزات السمات، ذلك العظيم الخالد في القلوب المؤمنة، وبالأنفس التقية، وفي الأرواح الطاهرة النقية.



التعريف بأسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)



كان من الواجب التحدّث عن أحوال أجداد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لما كان لهم من نصيب هام في تاريخ العرب والمسلمين . ولما كان نسب النبيُ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتهي إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم «عليهما السلام» فإنّه من المستحب أن نتناول أسلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعرض والدراسة بدءاً منه (عليه السلام) .


النبي إبراهيم (عليه السلام)


هو بطل التوحيد، جاهد في سبيل إرساء قواعد التوحيد، واقتلاع جذور الوثنية. ولد في بابل ـ التي تعد إحدى عجائب الدنيا السبع ـ التي حكمها «نمرود بن كنعان» الذي أمر الناس بعبادته إضافة إلى عبادة الاَصنام، ولمّا ذكر له أنّ عرشه سينهار على يد رجل يولد في بيئته، أمر بعزل الرجال عن النساء، في نفس الليلة التي انعقدت فيها نطفة النبي إبراهيم «عليه السلام» ، وهي الليلة التي تكهَّن بها المنجمون والكهنة من أنصار نمرود، ممّا دفع جلاوزته إلى قتل كلّ وليد ذكر. وقد حملت به أُمّه ـ أُمّ إبراهيم ـ مثلما حملت أُمّ موسى (عليه السلام) به، فأمضت فترة حملها في خفاء وتستر، ثمّ وضعته في غار بجبل قريب من المدينة للحفاظ عليه، وقضى في هذا الغار فترة ثلاث عشرة سنة، ثمّ انخرط في المجتمع الذي استغرب وجوده فأنكروه. ورأى في مجتمعه ظواهر التعبد لغير اللّه، من نجوم وكواكب وأصنام وعبادة الاِنسان، ممّا دعاه إلى أن يحارب في هذه الجبهات، التي أوضحها القرآن الكريم في سوره وآياته الشريفة. وقد بدأ عمَلَه بمكافحة ما كان عليه أقرباوَه، وعلى رأسهم عمه آزر، وهو عبادة الاَصنام والاَوثان، ثمّ اتَّجه إلى جبهة أُخرى أكثر ثقافة وعلم، وهي التي عبدت الكواكب والنجوم والاَجرام السماوية.
وقد أعطى النبي إبراهيم (عليه السلام) سلسلة من الحقائق الفلسفية والعلمية، لم يصل إليها الفكر البشري يوم ذاك، في حواره العقائدي مع عبّاد الاَجرام السماوية، مدعمة بأدلّة لا تزال إلى اليوم،موضع إعجاب كبار العلماء وروّاد الفلسفةوالكلام. وقد نقل القرآن الكريم في هذا المجال أدلّة النبي إبراهيم (عليه السلام) باهتمام خاصّ وعناية بالغة. فقد اتّخذ إبراهيم (عليه السلام) هيئة الباحث عن الحقيقة بدون أن يصدم تلك الفرق المشركة ويجرح مشاعرها. وركّز في عمله على التوحيد في الربوبية، والتدبير وإدارة الكون، وأنّه لا مدبّر ولا مربّي للموجودات الاَرضية إلاّ اللّه سبحانه و تعالى، فأبطل ربوبية الاَجرام السماوية بقوله: (وَجَّهْتُ وَجْهِي للّذي فَطَرَ السَّمواتِ وَالاََرض حَنيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكين)
أمّا بالنسبة إلى عمّه آزر الذي كان ذا مكانة اجتماعية عالية بين قومه، وصانعاً ماهراً ومنجماً، له رأيه وأفكاره في الاَُمور الفلكية في بلاط نمرود، فإنّه ليس أبوه بل عمّه، وذلك أنّ علماء الشيعة قد اتّفقوا على أنّ آباء الاَنبياء كانوا موَمنين باللّه موحّدين به، وأكّد الشيخ المفيد ذلك في كتابه: «أوائل المقالات» بل إنّ كثيراً من علماء السنّة قد وافقهم في ذلك أيضاً،ولعلّ مناداته بالاَب، نظراً لكونه الكافل لاِبراهيم (عليه السلام) ردحاً من الزمن، فنظر إليه بمنزلة الاَب.
وأمّا بخصوص عقابه، وإلقائه في النار، وعدم تأثّره بها وخروجه سالماً منها، فإنّ السلطات الحاكمة قررت نفيه من البلاد فغادرها إلى الشام، ثمّ إلى الحجاز مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل، حينما أسكنهما في مكّة، وظهرت بفضلهما عين زمزم، ووفدت جماعات من القبائل لتسكن في تلك البقعة، وأشهرها قبيلة «جرهم» التي تزوّج منها إسماعيل وصاهرهم، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مكة من المدن العامرة، بعد أن كانت صحراء قاحلة وواد غير ذي زرع.

قصيّ بن كلاب:

هو الجدّ الرابع للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُمّه فاطمة التي تزوّجت برجل من بني كلاب ورزقت منه بولدين: زهرة وقصيّ. و قد توفّي أبوه فربّاه زوجُ أُمّه ربيعة، إلاّ أنّ خلافاً وقع بين قصيّ وقوم ربيعة، أدى إلى طرده من قبيلتهم،ولكن أُمّه تمكنت من إرجاعه إلى مكة، فعاش فيها متفوقاً في أعماله ومراكزه، فشغل المناصب الرفيعة، مثل حكومة مكة، وزعامة قريش، وسدانة الكعبة المعظمة، فأصبح رئيس تلك الديار دون منازع. ومن أهمّ أعماله:
أ: تشجيع الناس على البناء حول الكعبة.
ب: تأسيس مجلس شورى يجتمع فيه روَساء القبائل في حلّ مشكلاتهم، وهو دار الندوة.
وأمّا من الاَولاد فقد ترك: عبد الدار وعبد مناف.



عبد مناف:


هوالجدّالثالث للنبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه: «المغيرة»، ولقبه قمر البطحاء. و مع أنّه كان أصغر من أخيه، إلاّ أنّه حظي بمكانة خاصة عند الناس، فقد اتخذ التقوى شعاراً، ودعا إلى حسن السيرة وصلة الرحم، ولكن الزعامة والقيادة كانت لاَخيه عبد الدار، حسب وصية أبيهما. إلاّ أنّ الوضع تبدّل بعد وفاتهما، فقد وقع الخصام والتنازع بين أبنائهما على المناصب، فانتهى الاَمر إلى اقتسامها بينهم، حيث تقرّر أن يتولّى أبناء عبد الدار سدانة الكعبة وزعامة دار الندوة، ويتولّى أبناء عبد مناف سقاية الحجيج وضيافتهم ووفادتهم.

هاشـــــــم:

وهوالجدّ الثاني للرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه: عمرو و لقبه العُلاء، ولد مع عبد شمس توأماً له، وله أخوان آخران هما: المطلب ونوفل.
ومن الاَُمور المميزة لاَبناء عبد مناف، إنّهم تُوفُّوا في مناطق مختلفة، فهاشم تُوفّي في غزّة، وعبد شمس في مكّة، ونَوفَل في العراق،والمطلب في اليمن.
كان يدعو الناس إلى الترحيب بضيوف اللّه وزوّاره وتكريمهم بالمال والحلال في غرّة كلّ شهر ذي الحجة:«وأسألُكُم بحرمة هذا البيت ألاّ يُخرج رجلٌ منكم من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم إلاّطيباً لم يوَخذ ظلماً، ولم يقطع فيه رحم، ولم يوَخذ غصباً».
ومن أهمّ آثاره: أنّ زعامته لمكّة كانت لمنفعة أهلها وتحسين أوضاعهم، فقد ساهم كرمُه في عدم انتشار القحط والجدب، كما أنّه حسّن من الحالة الاقتصادية في البلاد عندما عقد معاهدة مع أمير الغساسنة، ممّا دفع أخاه عبد شمس إلى أن يعاهد أمير الحبشة، وأخويه نوفل والمطلب أيضاً أن يعقدا معاهدات مع أمير اليمن وملك فارس، وذلك لتجنب الاَخطار وتأمين الطرق و سير القوافل التجارية. وقد عُرِفَ عنه أنّه الموَسس لرِحلتي الشتاء والصيف إلى الشام واليمن.
إلاّ أنّ كل ّتلك الاِسهامات من جانب هاشم، كانت دافعاً إلى أن يحسده أُميّة بن عبد شمس ابن أخيه، وذلك لما حظي به من مكانة وعظمة وتقرّب إلى قلوب الناس، الاَمر الذي أجبرهم على الحضور عند كاهن من كهنة العرب، فقضى لهاشم بالغلبة، فأخذ منه الاِبل وأخرج أُمية إلى الشام نافياً لمدّة عشرة سنين، حسب الشروط التي تمت بينهما.وتبيّن هذه القصة جذورَ العداء بين بني هاشم وبني أُميّة من ناحية، وعلاقات الاَمويين بالشام وارتباطهم بها حين اتخذوها عاصمة لدولتهم بعد ذلك من ناحية أُخرى.
ومن أشهر أولاده : شيبة، الذي عُرِفَ بـ«عبد المطلب» لاَنّه تربى وترعرَعَ في حجر عمّه المطلب، حيث كان العرب يسمّون من تَرعرَعَ في حجر أحد، وينشأ تحت رعايته، عبداً لذلك الشخص.


عبد المطلب:

وهو الجدّ الاَوّل للنبي العظيم ورئيس قريش وزعيمها. وأودعت يدُ المشيئة الربانية بين حنايا شخصيته نور َالنبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» ولذا كان إنساناً طاهر السلوك، نقيّ الجيب، منزّهاً عن أيّ نوع من أنواع الانحطاط والفساد، وأحد المعدودين الذين كانوا يوَمنون باللّه واليوم الآخر.
وقد اشتهر موقفه الاِيماني في عام الفيل، حينما أمر جماعته بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ونزل إلى الكعبة يدعو اللّه ويستنصره على أبرهة وجنوده مناجياً: «اللّهمّ أنت أنيسُ المستوحشين، ولا وحشة معك، فالبيت بيتُك والحرمُ حرمُك والدار دارُك، ونحن جيرانُك، تمنع عنه ما تشاء، وربّ الدار أولى بالدار».
وفي الصباح خرجت أسرابٌ من الطيور من جهة البحر يحمل كل واحد منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره،وحجر في كلّ من رجليه وحلّقت فوق روَوس الجند، ورجمتهم بالاَحجار بأمر من اللّه محطمة روَوسهم وممزقة لحومهم، وقد أصاب حجر منها رأس أبرهة القائد، فأمر جنوده بالتراجع والعودة إلى اليمن، إلاّ أنّهم أُهلكوا في الطريق، حتى أبرهة نفسه مات قبل وصوله صنعاء.
وقد نتج من هذه العملية، أن تحطّم جيش أبرهة، وانهزم أعداء قريش، وعظم شأن المكيّين،وشأن الكعبة المشرفة في نظر العرب وغيرهم، فلم يجرأ أحد بعد ذلك على غزو مكة، أو الاِغارة على قريش، أو التطاول على الكعبة. كما أنّها من جانب آخر، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة، فقد زادت من غرورهم وعنجهيتهم واعتزازهم بعنصرهم، فقرروا تحديد شوَون الآخرين والتقليل من وزنهم، على أساس أنّهم فقط الطبقة الممتازة من العرب.
كما دفعتهم إلى التصور بأنّهم موضع عناية الاَصنام (الـ 360 ) إذ أنّهم فقط الذين تحبهم تلك الاَصنام وتحميهم وتدافع عنهم!!
وقد دفعهم كلّ ذلك إلى التمادي في لهوهم ولعبهم، والتوسع في ممارسة الترف واللّذات، وإظهار الولع بشرب الخمر، حتى أنّهم مدّوا موائد الخمر في فناء الكعبة، وأقاموا مجالس أنسهم إلى جانب تلك الاَصنام، متصورين أنّ حياتهم الجميلة هذه هي من بركة تلك الاَصنام والاَوثان!!
كما أنّهذه الحالة جعلت قريش تقوم بإلغاء أيّ احترام وتقدير للغير فقالوا: إنّ جميع العرب محتاجون إلى معبدنا، فقد رأى العرب عامةً كيف اعتنى بنا آلهة الكعبة خاصةً، وكيف حَمَتنا من الاَعداء.
ومن ذلك بدأت قريش تضيّق على كلّ من يدخل مكة للعمرة أو الحجّ، وتعاملهم بخشونة وأسلوب ديكتاتوري، وفرضت عليهم ألا يصطحب أحد منهم طعاماً معه من خارج الحرم ولا يأكل منه، بل عليه أن يقتني من طعام أهل الحرم ويأكل منه، وأن يلبس عند الطواف بالبيت من ثياب أهل مكّة التقليدية القومية، أو يطوف عرياناً بالكعبة إذا لم يكن في مقدوره شراوَها. و من رفض الخضوع للاَمر من روَساء القبائل وزعمائها، كان عليه أن ينزع ثيابه بعد الانتهاء من الطواف ويلقيها جانباً، دون أن يكون لاَحد الحقّ في مسّها حتى صاحبها.
أمّا النساء فكان عليهن إذا أردن الطواف أن يطفُن عراة، ويضعن خرقة على روَوسهن. كما أنّه لم يكن يحق لاَي يهوديّ أو مسيحيّ أن يدخل مكة، إلاّ أن يكون أجيراً لمكيّ، وعليه ألاّ يتحدث في شيء من أمر دينه وكتابه.
بالاِضافة إلى ذلك، فإنّهم أنفوا منذ ذلك اليوم أن يأتوا بمناسك عرفة، كما يفعل بقية الناس، حيث تركوا الوقوف بها والاِفاضة منها، بالرغم من أن ّآباءهم ـ من ولد إسماعيل ـ كانوا يقرّون أنّها من المشاعر والحج.
إنّ كل ّذلك الانفلات الاَخلاقي والترف والانحراف، قد هيّأ الاَرضية وأعدها لظهور مصلح عالميّ.
أمّا بالنسبة لابن عبد المطلب، عبد اللّه، فقد سعى إلى أن يزوّجه، فاختار له: «آمنة بنت وهب بن عبد مناف» التي عُرِفت بالعفّة والطهر والنجابة والكمال. كما اختار لنفسه «دلالة» ابنة عم آمنة، فرزق منها حمزة، عمّ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي كان في نفس عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد تمّ حفل الزفاف في منزل السيدة آمنة طبقاً لما كان عليه المتعارف في قريش، ثمّ بقي «عبداللّه» مع زوجته ردحاً من الزمن حتى سافر في تجارة إلى الشام، وتوفّي في أثناء الطريق.

ويرتبط بموضوع أسلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، طهارته «صلى الله عليه وآله وسلم» من دَنَس الآباء وعهر الاَُمّهات، إذ لم يكن في أجداده وجدّاته، سفاح وزنا، وهو ما اتّفق عليه المسلمون، وصرّح به الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في أحاديث رواها السنة والشيعة. فقد جاء عنه «صلى الله عليه وآله وسلم» إنّه قال: «نُقلتُمن الاَصلاب الطاهرة إلى الاَرحام الطاهرة نكاحاً لا سِفاحاً».
وقال الاِمام علي (عليه السلام) :«وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله وسيد عباده كلّما نسخ اللّه الخلق فِرقتين، جعله في خيرهما، لم يسهِم فيه عاهرٌ ولاضربَ فيه فاجر».
كما ذكر الاِمام الصادق (عليه السلام) ذلك مفسراً الآية: (وتقلّبك في الساجدين) : «أي في أصلاب النبيّين، نبي بعد نبي، حتى أخرجه من صلبِ أبيه عن نكاحٍ غير سفاح من لدن آدم».


مولـــــــــــــده (صلى الله عليه وآله وسلم)


ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عام الفيل (570م) بإتّفاق كتّاب السيرة، ورحل عن الدنيا في (632م) عن 62 أو 63 عاماً، كما اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الاَوّل، يوم الجمعة السابع عشر منه، عند الشيعة، أمّا السنّة فقد عيّنوا يوم الاِثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.
ولمّا كان الشيعة ينقلون أخبار أهل البيت عنهم، فلابدّ من الاِقرار بأنّ ما ينقله هوَلاء ويكتبونه من تفاصيل تتعلّق بحياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي أقرب من غيرها إلى الحقيقة، لاَنّها مأخوذة عن أقربائه وأبنائه.
وقد حملت به أُمّه «السيدة آمنة بنت وهب» في أيّام التشريق من شهر رجب، فإذا اعتبرنا يوم ولادته، 17 من ربيع الاَوّل، فتكون مدّة حملها به ثمانية أشهر وأيّاماً.
وقد وقعت يوم ولادته أحداث عجيبة، فقد وُلِد مختوناً مقطوع السرة، وهو يقول: «اللّه أكبر والحمد للّه كثيراً، سبحان اللّه بكرةً وأصيلاً» كما تساقطت الاَصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسر إيوان كسرى، وسقطت أربعة عشر شرفة منه، وانخمدت نار فارس التي كانت تعبد،وجفت بحيرة ساوة.


وهدفت هذه الاَحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين موَثرين:


(1) فهي تدفع الجبابرة والوثنيين إلى التفكير فيما هم فيه من أحوال،فيتساءلون عن الاَسباب التي دعت إلى كلّ ذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الاَحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنية وزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها.
(2) ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن العظيم للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الاَنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.
وفي اليوم السابع لمولده المبارك، عقّ عبد المطلب عنه بكبش شكراً للّه تعالى، واحتفل به مع عامة قريش.
وقال عن تسميته النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن سببه: أردت أن يُحمَد في السماء والاَرض
وكانت أُمّه (عليها السلام) قد سمّته أحمد قبل أن يسمّيه جدّه وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يسم به منهم سوى 16 شخصاً، ولذا فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصّة به.


أمّا عن رضاعته (صلى الله عليه وآله وسلم)


فقد ارتضع من أُمّه ثلاثة أيّام ثمّ أرضعته امرأتان هما:
ـ ثويبة: مولاة أبي لهب، إذ أرضعته لمدّة أربعة أشهر فقط، وقد قدّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجته خديجة(عليها السلام) هذا العمل لها حتى آخر حياتها، فأكرمها وأراد أن يعتقها فأبى أبو لهب، وكان يبعث إليها بالصلة حتّى وفاتها.
كما أنّها أرضعت من قبل حمزة، وأبا سلمة بن عبد اللّه المخزومي، فكانوا إخوة في الرضاعة.
ـ حليمة السعدية، بنت أبي ذوَيب. وكان لها من الاَولاد: عبد اللّه ، أنيسة، شيماء. وقامت «شيماء» بحضانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً.
وقد استلمت حليمة السعديةُ النبيّ الكريم في عمر لم يتجاوز أربعة أشهر، في عام قحط وجدب،فأصابها الرخاء وازدهرت حياتها بعد ذلك. ومن المعروف أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل في ذلك الزمان أي ثدي من المرضعات إلاّ ثدي حليمة.


فترة طفولته (صلى الله عليه وآله وسلم)


استقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبيلة«بني سعد» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شوَونه خير قيام،وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها (صلى الله عليه وآله وسلم) على فصاحته و بلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه(عليها السلام) فكّرت بزيارة المدينة وقبر زوجها عبداللّه، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» بيت أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى مكة بمنطقة الاَبواء ممّا دفع الجميع إلى إظهار المحبة له والعناية به، خاصةًجدّه «عبد المطلب» الذي أحبه أكثر من أولاده.
كان أبو طالب أخاً لوالد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أُم ّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبي الكريم وتحمّل المسوَولية بفخر واعتزاز.
وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّه في إحدى الحروب التي وقعت في الاَشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار.
ورافق عمّه في سفره إلى الشام وهو في ربيعه الثاني عشر، شاهد فيها «مدين، ووادي القرى، وديار ثمود»، واطّلع على مشاهد الشام وطبيعتها الجميلة.


فترة شبـــــــــــــابه


كانت آثار الشجاعة والقوة باديةً على جبينه (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في حرب الفجّار بين قريش و هوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات العسكرية وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان المسلمون ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند اشتداد المعركة.



فترة عمـــــــــــــله


أمضى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شطراً من حياته قبل البعثة، في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح الصبر، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وذلك حتى يمكنه إدارة البشر في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّ بتعويد النفس على هذه الصفات وحملها على مشاق الاِعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من روَية الاَوضاع المزرية والاَحوال المشينة التي كان عليها أهل مكة وما كانوا فيه من عادات سيئة وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبة للنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّ الاِمعان في الآيات الدالة على وجود اللّه سبحانه و تعالى، وقدرته و حكمته وعلمه وإرادته.
فبالرغم من أنّ قلوب الاَنبياء تكون منورة بمصابيح المعرفة، ومضاءة بأنوار الاِيمان والتوحيد، إلاّأنّهم لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق والتفكّر في الآيات الاِلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الاِيمان،ويبلغون أسمى درجات اليقين،وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على ملكوت السماوات والاَرضين.
وبعد هذا العمل الصحراويّ الجبلي، تعاطى (صلى الله عليه وآله وسلم) العمل التجاري، باقتراح من عمّه أبي طالب، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «خديجة بنت خويلد» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف عظيم، استخدمت الرجال في إدارة أعمالها الكثيرة. فقال أبو طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين،فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لاَسرعتْ إليك،وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».
إلاّ أنّ إباء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلوّ طبعه منعاه من الاِقدام بنفسه على ذلك فردَّ عليه :«فلعلّها أن ترسل إليّفي ذلك» لاَنّها تعرف أنّه المعروف بالاَمين بين الناس. وقد حدث ماأراده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد بعثت إليه قائلةً:«إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك،وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر».
ولمّا علم عمّه أبو طالب بذلك قال له: «إنّ هذا رزق ساقه اللّه إليك».
وهكذا تمّ الاتفاق على أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمل في أموالها وتجارتها على نحو المضاربة لا الاِجارة، فقد ذكر «اليعقوبي»: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان أجيراً لاَحد قط.
ولذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حصل على أرباح وفيرَة من أوّل تجارته إلى الشام. ولما مرّ في الطريق على ديار عاد وثمود، تذكر سفره الاَوّل مع عمّه إلى تلك المناطق. وعند وصولهم إلى مكّة، قال «ميسرة» غلام السيدة خديجة: يا محمّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة، فاستقبلْ بخديجة وأبشرها بربحنا. فأسرع النبي ص وسبق القافلة متوجهاً نحو بيت خديجة، التي استقبلته بحفاوة كبيرة، وسرّت بحديثه وأخباره عن رحلته ومكاسبه التجارية. ثمّ إنّ «ميسرة» أخبرها بكل ّما حدث وحصل لهم في السفر، منذ خروجهم ودخولهم إلى البلاد، وخاصةً ما جرى، بين النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأحد التجّار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزّى، فرد عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ماحلفت بهما قط، وإنّي لاَمرُّ فأعرض عنهما. كما أخبرها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما استراح في ظلّ شجرة عندما كانوا في بصرى، فشاهده راهب فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي.ولما سأل عن اسمه من ميسرة فقال: هو نبيّ وهو آخر الاَنبياء، إنّه هو هو ومنزِّلُ الاِنجيل،وقد قرأتُ عنهُ بشائر كثيرة.
وقد سلّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ ما ربحه واستلمه من مال إلى عمّه أبي طالب، ليوسّع به على أهله، ممّا جعله فرِحاً مسروراً بما قام به ابن أخيه تجاهه.


زواجه (صلى الله عليه وآله وسلم)


في هذا الوقت، فكّر (صلى الله عليه وآله وسلم) جدياً في أن يتّخذ شريكة لحياته ويكوّن أُسرة، فكيف وقع اختياره على السيدة خديجة التي رفضت كلّ مَن تقدّم إليها من كبار الشخصيات القرشية، أمثال: عقبة بن أبي معيط، وأبي جهل، وأبي سفيان؟ وكيف أدّى الارتباط بينهما والعلاقة العميقة و الاَُلفة والمحبة، إلى درجة أنّها وهبت كلّ ثروتها للنبيحتى ينفقها في نشر الاِسلام؟
كانت السيدة خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً وأقواهن عقلاً وأكثرهن فهماً، وقد قيل لها: سيدة قريش، وسمّيت الطاهرة لشدة عفافها، وذلك في أيّام الجاهلية.
وحين رفضت الزواج من سادة القوم قَبِلت بسيد البشر لما عرفت عنه من كرم الاَخلاق، وشرف النفس، والسجايا الكريمة، والصفات العالية. وهي المرأة الثرية التي وإن عاشت في الترف وأفضل العيش، إلاّ أنّها أصبحت في بيت زوجها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الزوجة المطيعة الخاضعة الوفية المخلصة، و سارعت إلى قبول دعوته واعتناق دينه بوعي وبصيرةٍ، مع علمها بما ينطوي ذلك على مخاطر ومتاعب. ثمّ جعلت كلَّ ثروتها ومالها في خدمة العقيدة والمبدأ، مشاطرة زوجها بذلك آلامَه ومتاعبَه ، وراضية بمرارة الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وهي في سن الرابعة والستين.
وقد بلغ من خضوعها للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبها له، أنّها بعد أن تم الزواج بينهما قالت له: إلى بيتك، فبيتي بيتك وأنا جاريتك.
ويوَكد الموَرّخون أنّها هي التي اقترحت على النبي الزواج، وكما يعتقد أكثر الموَرّّخين، أنّ «نفيسة بنت عليّة» بلّغت رسالتها إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي تقبّل عرضها، فأخبرت السيدة خديجة بذلك، فأرسلت بوكيلها «عمرو بن أسد» لتحديد ساعة مراسم الخطبة في محضر الاَقارب.
فشاور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعمامه وعلى رأسهم «أبو طالب»الذي خطب في القوم يمدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطلب الزواج له من السيدة خديجة قائلاً: «وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، ومحمّد من قد عرفتم قرابتَه».
ثمّ أجرى عقد النكاح، ومهرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) 400 دينار، وقيل أصدقها عشرين بكرة.
وكان عمرها في هذا الوقت أربعين عاماً، إذ أنّها وُلدت قبل عام الفيل بخمسة عشر عاماً، كما جاء عنها أنّها تزوجت قبل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» برجلين، أوّلهما: «عتيق ابن عائذ»، ثمّ بعده: «أبو هالة التميمي». وقد توفي كلٌّ منهما بعد زواجه منها.
وقد تميّزت السيدة خديجة من نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لم يتزوّج عليها مدّة حياتها، وبلغت لديه مالم تبلغه امرأة قطّ من زوجاته. وممّا يدل على سموّ مقامها وعلو ّمنزلتها، أنّ أهل البيت «عليهم السلام» طالماً افتخروا بأن ّخديجة منهم، وإنّهم من خديجة، فكانوا يعتزون بها ويشيدون بمكانتها. فالسيدة خديجة (عليها السلام) هي مثال الشرف والعقل، والحبّ العميق للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والوفاء والاِخلاص، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الاِسلام الحنيف، فهي أوّل من آمنت باللّه ورسوله،وصدقت محمّداً «صلى الله عليه وآله وسلم» وآزرته، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه، من إيذاء وتكذيب، إلاّ وفرّج اللّه عنه بخديجة التي خفّفت عنه، بلطفها وعطفها وعنايتها به في غاية الإخلاص والود.
لقد اكتسبت السيدة خديجة بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمّدية، وتفانيها في سبيل الاِسلام، وحرصها العجيب على حياة صاحب الرسالة، مكانةً ساميةً في الاِسلام، حتى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذَكَرَها في أحاديثه الكثيرة، وأشاد بفضلها ومكانتها وشرفها، وذلك لاِلفات نظر المرأة المسلمة إلى القدوة التي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والحالات، بالاِضافة إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة ـ و هي نصف المجتمع ـ من دعم جدّىٍّ للرسالة، مادياً كان أم معنوياً.
ومن أشهر الاَحاديث التي نُقلت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال عنها:«أتاني جبرائيل (عليه السلام) فقال يا رسول اللّه، إذا أتتك خديجة فاقرأ عليها السلام من ربها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب».
وقال عنها (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا واللّه ما أبدلني اللّه خيراً منها، آمنَت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواسَتْني في مالها إذ حَرمني الناس، ورزقني اللّه منها أولاداً إذ حرَمَني أولاد النساء».
كما روى أنس بن مالك، أن ّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتى بهدية قال:« اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنّها كانت صديقة لخديجة، إنّها كانت تحبّ خديجة».
كما قال عنها الاِمام علي (عليه السلام) : «كنتُ أوّل من أسلم، فمكثنا بذلك ثلاث حِجَج وما على الاَرض خلق يصلّي ويشهد لرسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بما أتاه، غيري، وغير ابنة خويلد رحمها اللّه، وقد فَعَلَ».
وقد تحدّث عنها أيضاً الكثير من الشخصيات الاِسلامية المتقدمة والمتأخرة، فقد ذكر عنها «محمد بن إسحاق»: «إنّ خديجة بنت خويلد وأبا طالب، ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاِسلام، وكان رسول اللّه يسكُن إليها».
ولكلّ ذلك، فإنّ وفاتها كانت من أعظم المصائب التي أحزنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا دفعه أن يسمّي العام الذي توفّي فيه ناصراه وحامياه ورفيقا آلامه ـ: زوجته خديجة، وعمّه الموَمن الصامد أبو طالب ـ بعام الحداد أو عام الحزن . فينزل عند دفنها في حفرتها، ويُدخلُها القبر بيده في الحجون، فيلزم بيته و يقل الخروج.



أولاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


لقد أنجبت خديجة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة من الاَولاد، اثنين من الذكور، أكبرهما القاسم وعبداللّه، وأربعة من الاِناث. وذكر ابن هاشم، انّ أكبر بناته: رقية ثم ّزينب ثمّ أُم كلثوم ، ثم ّفاطمة، وكلّهن أدركنَ الاِسلام، أمّا الذكور فقد ماتوا قبل البعثة.
وفاة ابنه إبراهيم
و بعد 18 شهراً من ولادته، توفّي إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فحزن عليه. و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فَقَد خلال السنوات الماضية، ثلاثة من أولاده: القاسم و الطاهر والطيّب. وثلاثة من بناته: زينب ورقية و أُمّ كلثوم. وبقيت له بنت واحدة هي السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من خديجة (عليها السلام) .
واعتبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الحزنَ على الميت رحمةً إذ قال: «إنّما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحَم،ولكن نُهيت عن خمش الوجوه، وشقّ الجيوب، ورنّة الشيطان».

تبنّي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن حارثة:

كان ممّن سباه العرب من حدود الشام وباعوه في أسواق مكة رقيقاً لاَحد أقرباء السيدة خديجة ويدعى حكيم بن حزام. وقد أحبه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لذكائه وطهره،فوهبته خديجة له، حينما تزوّجت به «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إلاّ أنّ أباه حارثة الذي كان يبحث عنه لقيه عند النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فطلبه منه، الاَمر الذي جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخيّره بين المقام معه (صلى الله عليه وآله وسلم) والرحيل إلى وطنه، فاختار المقام مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أخرجه إلى الحجر الاَسود وأعتقه ثمّ تبناه أمام الملاَ قائلاً: «يامن حضر اشهدوا أن ّزيداً ابني».



بعثة الرسول الاعظم


في السابع والعشرين من شهر رجب، وكان (ص) كعهده دائماً مشغولاً بعبادته في الغار، وإذا بجبرائيل - ملاك الرحمان - يظهر أمامه، وما إن تطلع إليه حتى بادره قائلاً: (اقرأ). لكنّ محمداً الكريم والذي لم يكن قد تلقّى أيّ تعليمٍ، وهو لا يحسن القراءة أو الكتابة، أجاب متعجّباً: وماذا أقرأ؟ فأنا لا أحسن القراءة قال جبرائيل مكرّراً أمره: «اقرأ» لكنّه وللمرة الثانية سمع الرد نفسه، وحين كرر قوله للمرة الثالثة، أحسّ محمد (ص) أنّ باستطاعته أن يقرأ.(اقرأ باسم ربّك الذي خلق). وهكذا اختار الله سبحانه محمداً (ص) للنبوّة، وهو في سن الأربعين، وكلّفه بأن يقوم بهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات والشرك والجهل الذي هم فيه، إلى رحاب العلم ونور الإيمان، وأن يرشدهم إلى طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.
(وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين) (الأنبياء – 10) نزل الرسول (ص) من الجبل مضطرباً وتوجّه إلى بيته، وهناك كانت أوّل امرأة آمنت به، وهي زوجته خديجة، وأوّل رجلٍ مد يده إليه بالبيعة، ابن عمه الفتى علي بن أبي طالب، الذي تربّى في بيت الرسول (ص) منذ نعومة أظفاره.

وأنذر عشيرتك الأقربين

كان النبي (ص) حين يقوم للصلاة، يقف عليّ (ع) عن يمينه وتقف خديجة من ورائه، واستمر الأمر كذلك، حتى أمر أبوطالبٍ ولده جعفر باتّباع الرسول (ص). ثم نزل إليه أمر الله تعالى، بأن يقوم بدعوة أهله وعشيرته الأقربين إلى الإسلام (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء - 214).

فدعا (ص) إلى بيته ما يزيد على أربعين فرداً من بني هاشمٍ، وبعد أن تناولوا الطعام، وقف بينهم، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابّاً في العرب، جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟
ومن بين الحضور جميعهم، وقف عليّ (ع) وهو ما يزال ابن عشر سنواتٍ، وأعلن استعداده لمؤازرة الرسول (ص). كرّر الرسول (ص) قوله ثلاث مراتٍ، وكان الوحيد الذي استجاب له في المرّات الثلاث هو عليّ(
بقي الرسول (ص) يدعو إلى الإسلام سرّاً، لمدّة ثلاث سنوات، واستجاب لدعوة الإيمان عدد قليل من الناس.

محاربته للشرك :


في تلك الأيّام، كان الناس يفدون إلى مكّة من بلادٍ وأماكن بعيدةٍ للحج، وكانوا يحضرون معهم بضائع يحتاجها أهل مكة، فيتّجرون بها معهم، وكان هذا العمل مصدر ربح وفير يجنيه أثرياء مكة ، والربح هو همهم ومحورتفكيرهم.
كان الرسول (ص) يدعو الناس إلى ترك العادات السيئة، كالزنا وشرب الخمر ووأد البنات وقتلهم، وأكل مال اليتيم وأكل الميتة وشهادة الزور، وغير ذلك من الفواحش. وكان يدعوهم بالمقابل إلى الأمر بالمعروف والإحسان إلى الأرامل واليتامى والمساكين، وصلة الرحم وحسن الجوار.
وكان (ص) يجلس إلى أولئك الزوار القادمين من بعيد، ويتحدّث إليهم، وينصحهم بترك عبادة الأصنام، التي صنعها الكفّار بأيديهم من الخشب والحجارة، ونصبوها في المسجد الحرام فوق الكعبة، ينصحهم بترك عبادتها لأنّها لا تنفعهم ولا تضرّهم. وأن يتّجهوا بالعبادة إلى الإله الواحد، خالق كلّ شيءٍ.
كان أثرياء مكّة يتساءلون: ماذا لو استمع الناس إلى محمد وتركوا عبادة الأصنام، إذن لا نقطع قدومهم إلى مكة، وانقطع معهم مورد رزقنا ومصدر أرباحنا، لذلك شرعوا في إعلان الخصام الشديد لمحمد (ص) ولتابعيه من المسلمين الأوائل، ورغم ذلك فقد كان عدد المؤمنين يزداد يوماً عن يوم، كما كانت معاملة قريش له ولأصحابه، تزداد قسوةً ووحشيةً. وكان مشركو قريش ينزلون بالمسلمين الأذى والضرر، ويوجّهون لهم السباب والشتائم، كي يمنعوا انتشار الإسلام بين الناس، غير أنّهم لم يجرؤوا على توجيه الأذى لجميع المسلمين، لأنهم ينتسبون الى قبائل عديدة، تحسب قريش حسابها، وأمام عجزهم ذاك، فقد توجّه نفر من أعيانهم إلى بيت أبي طالب، عمّ الرسول وحاميه، وسيد بني هاشم، وشكوا إليه أمرهم مع محمد قائلين:
يا أبا طالب إنّ ابن أخيك محمداً قد عاب آلهتنا، وسفه أحلامنا وسخر من عقائدنا، واتّهم آباءنا بالضلال، ونحن على استعداد لكي نقدم إليه كل ما يطلب، لو ترك هذا الأمر، فإمّا أن تمنعه أنت، وإمّا أن تسلمه إلينا فنرى فيه رأينا.
قال أبوطالب: سأتحدث إليه في هذا الأمر. وعند ما نقل أبوطالب أقوال قريش إلى النبي (ص) أجابه: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». فلمّا سمع أبوطالب مقالة النبي (ص) وردّه على العرض الذي تقدمت به قريش، أخذ يده بقوة وحرارة قائلاً: وأنا أيضاً أقسم بالله، أنّي لن أرفع يدي عنك، فسر في طريقك.
رأى كبار قريش أن يلجأوا إلى الخديعة والمكر، بعد أن رأوا فشل تخطيطهم، فقالوا له: يا أبا طالب، إنّ محمداً قد شتت جموعنا وسخر منا ومن أصنامنا التي نحن لها عابدون، حتى أغرى بنا غلماننا، وشجّعهم على العصيان والتمرد، ونحن لا نرى تفسيراً لسلوكه ولا ندري ما هو غرضه. فإن كان فقيراً أغنيناه، وإن كان يريد الملك والجاه، أمرناه علينا وله منا الطاعة، وكل ما نطلبه منه، هو أن يتخلّى عن هذه الدعوة ويتركنا لحالنا وأمورنا. لكنّ الرسول (ص) نظر إلى عمّه وقال: يا عمّاه، أنا لا أريد من هؤلاء الناس شيئاً ولا أطلب منهم إلا أن يؤمنوا بالله الواحد العظيم، ويتركوا معبوداتهم وأصنامهم الحقيرة تلك، فإنّها لا تغني عنهم شيئاً. سمع رجال قريش جواب الرسول (ص) فامتلأوا غضباً وغيظاً وخرجوا وقد صمّموا على أن يستعملوا معه الشدّة والقسوة منذ ذلك اليوم.
عقب هذه الحادثة، ضاعفت قريش من إيذائها للرسول، وتعذيبها لأصحابه، حتى أن بعض أقارب النبي (ص)، كأبي لهب، غدوا من أعدى أعدائه. فكانوا يرمونه بالأقذار، ويسخرون منه ويوجّهون إليه السباب على مرأى من الناس، حتى أنّهم اتّهموه بالخبل والجنون. لكنّهم كانوا عبثاً يحاولون، فلم يفوزوا من أفعالهم هذه بطائل، وكم كانوا يتمنون لو يقتلوه ويتخلّصوا منه، لو لا خوفهم من عزيمة أبي طالب، وسيف حمزة، وانتقام بني هاشم. وكم من مرّة رسموا خططاً لقتله، لكنهم كلما حاولوا تنفيذ خططهم الشريرة، كان الله سبحانه لهم بالمرصاد، فأبطل أعمالهم وسفّه أحلامهم.
كان نصيب بعض المسلمين من الأذى قليلاً، لأنّهم ينتمون إلى قبائل كبيرةٍ ومشهورة، وكان المشركون يخافون من قبائلهم تلك، لكنّ أكثر أتباع الدين الإسلامي، كانوا من الفقراء المستضعفين، أو من العبيد الأرقّاء، فكان الأذى الذي ينزل بهم أقوى وأشدّ، كبلال الحبشيّ، وكان عبداً أسود البشرة، فقد طرحه سيّده فوق الأحجار الملتهبة تحت شمس مكة الحارقة، كما طرحت فوق صدره صخور كبيرة الحجم، وترك ساعات يعاني من العذاب والحرّ، والجوع والعطش، كانوا يطلبون منه الابتعاد عن محمد ودعوته. لكن جواب بلال لهم كان قوله . . أحد، أحد، الله واحد. فما كان من المشركين أخيراً إلاّ أن ربطوه بحبل. وصاروا يجرونه في أزقّة مكة، فوق الأحجار والرّمال، لكنّ بلالاً كان مسلماً حقّاً، ولم تكن شدّة العذاب إلا لتزيده قوّةً وإيماناً.
أحس مشركو قريش أن خططهم لم تصل إلى نتيجةٍ، ورأوا الخطر يزداد عليهم بازدياد انتشار الإسلام، فلجأوا إلى تدبير خسيس، بعيد عن الإنسانية، وقرّروا مقاطعة المسلمين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم،
وأصدروا وثيقةً تتضمّن أربع نقاطٍ للمقاطعة:
- منع الشّراء والمبيع من المسلمين.
- مناصرة خصوم محمدٍ، والالتزام بها، واجب في جميع النزاعات.
- لا حقّ لأحد في الزواج من المسلمين أو تزويجهم.
- يمنع أيّ شكل من أشكال التعامل أو العلاقة مع المسلمين.


وعلّقوا صحيفة المقاطعة هذه على الكعبة وامتدت مقاطعة قريش لبني هاشم ثلاث سنوات، كانت من أشدّ الفترات قسوةً على المسلمين،بعد مقاطعةٍ دامت ثلاث سنواتٍ دون طائلٍ، وحين ثبت لقريش أنّ الحصار الاقتصادي بدوره لم يأت بنتيجةٍ، ولم يفت من عزيمة المسلمين، بل زادهم إيماناً، ندم بعض القرشييّن على ما أقدم عليه ومهم، وبدأوا شيئاً فشيئاً يخفّفون الحصار، حتى انتهى الأمر بأن أصبح المسلمون أحراراً في المجيء إلى مكة. واستطاعوا أن يعودوا ثانية إلى بيوتهم، وكان ذلك بمعجزة من الله تعالى، إذ بعث الأرضة (وهي حشرة صغيرة تقرض الأخشاب وغيرها) إلى صحيفة المقاطعة، فأكلت كلّ ماكتب فيها من كلمات الظلم والمقاطعة، وأبقت على غيرها من الكلمات، فلمّا رأى الناس ذلك، عرفوا أنّ الله سبحانه لا يقبل بهذه المقاطعة، فمزّقوا الصحيفة وأسلم عدد كبير منهم بعد زمن قصير فارق أبوطالب عمّ الرسول (ص)، وخديجة زوجته الحياة، واحداً إثر الآخر، فكان لفقدهما أسوأ الوقع والأثر على الرسول (ص)، وهما ظهيراه وناصراه، واشتدّت بعد موتهما ضغوط قريش على المسلمين، وبخاصّة على رسول الله (ص). فأمر المسلمين أن يهاجر من يريد الهجرة منهم إلى الحبشة.
ثم لقد كانت هجرة الرسول (ص) إلى المدينة المنوّرة، ذات أثر كبيرٍ وأهميّة فائقة، حتى اعتبرت سنة الهجرة بداية للتاريخ الإسلامي،


فتـــــــــــح مكة


في السنة الثامنة للهجرة، نشب قتال بين المسلمين وجيش الروم، فخسر المسلمون المعركة واضطرّوا للتراجع. وحين علمت قريش بانكسار جيش المسلمين، سوّلت لهم أحلامهم أنّ قوّة المسلمين قد ضعفت، وأنّ القضاء عليهم أصبح سهلاً، فنقضوا لذلك عهدهم، وهاجموا قبيلةً من القبائل الموالية للمسلمين، ووقع أفرادها في أيديهم بين قتيل وأسير، بينما استطاع البعض النجاة بالفرار، ونقلوا خبر الهجوم إلى رسول الله (ص) انزعج الرسول لنقض قريش عهدها. وتعهّد لهم بتأديب عبدة الأصنام المارقين. عمّ القلق قريشاً لقرار الرسول (ص) وفوّضت جماعةً، بالتوسط معه على تجديد العهد السابق، لكنّ رجاءهم هذا قد رفض، وعاد رسلهم من مسعاهم خائبين. وفي الوقت الذي رآه الرسول (ص) ملائماً لخططه، أعلن التّعبئة العامة في المدينة، وأمر بأن توضع كافّة مداخلها ومخارجها تحت المراقبة، وأن تضبط تحرّكات الناس بشدةٍ، كي يحول دون وصول أنباء التعبئة إلى قريشٍ. وكان (ص) يدرك أنّه إن وفّق المسلمون في فتح مكّة، وإرغام العدوّ على نزع سلاحه، فإنّ كثيراً من أعداء اليوم، يصبحون مسلمين غداً بتأثير تعاليم الإسلام السّمحة، ولتحقيق ذلك يجب إنجاز هذا العمل الكبير دون إراقة دماء.
وفي العاشر من شهر رمضان المبارك. من السنة الثامنة للهجرة، أصدر الرسول (ص) أوامره بالتحرّك، ووصل جند الإسلام إلى مكانٍ قريبٍ من مكة ليلاً، فأقاموا معسكرهم هناك، وأمر الرسول بنيران كثيرةٍ فأضرمت، وكان أبوسفيان وعدد من مرافقيه خارج مكة، وإذا به يفاجأ بالنيران تشعّ قرب مكّة، فأخذه العجب والحيرة، وتسمّر في مكانه مندهشاً من كثرتها. تصادف في هذا الوقت مرور العباس عم الرسول (ص) من هذا المكان، فرأى أبا سفيان وناداه قائلاً: أي أبا سفيان أتدهشك هذه النيران؟ إنّها لجيش محمد (ص)، وقد أقاموا ينتظرون الصّباح ليدخلوا مكة، ولن يكون في طاقة أحدٍ صدّهم عمّا اعتزموا.
ارتجف أبوسفيان لدى سماعه أقوال العباس، وراح يرجوه أن يأخذه معه إلى الرسول، ناسياً صلفه وكبرياءه.
وبحضرة الرسول الأعظم (ص) تظاهر أبوسفيان بالإيمان، وأعلن إسلامه، متأثّراً ممّا رآه من قوّة واقتدار جيش المسلمين. في حين رأى الرسول الكريم (ص) في استسلام أبي سفيان دون إراقة الدماء، خير خاتمة تحمل من الفوائد الكثير. وأصدر قراره قائلاً: أعلن عن لساني لأهل مكة، أنّ كلّ من دخل المسجد الحرام، أو دخل بيته وأغلق بابه، أو لجأ إلى بيت أبي سفيان، فهو آمن.
عاد أبوسفيان إلى مكة، ونقل إلى الناس فيها كل ما رأى وسمع وهو يرتجف، فتسارع الناس إلى الهرب دون تفكير، ولجأ كلّ منهم إلى ملجأٍ. وبنداء الله أكبر، دخل جيش المسلمين الظافر مكة، واتجهوا شطر البيت الحرام، وتقدّم الرسول (ص): على ناقته، تحفّ به جموع المسلمين من كلّ جانب، لأداء طوافه حول بيت الله. ولما لاحظ أهل مكّة أنّ الرسول (ص) لا يلتفت إليهم، شرعوا يخرجون من بيوتهم بحذرٍ، ويتجمعون قرب المسجد الحرام، وبعد أن انتهى (ص) من تحطيم الأصنام، وقف عند باب الكعبة المشرّفة، وبعد أن حمد الله وشكره على فضله تلا بعضاً من آيات القرآن الكريم، ثم التفت إلى عبدة الأصنام قائلاً: «ما تظنون أني فاعل بكم»؟ قالوا بصوت تخنقه العبرات ويغلب عليه الضعف «أخ كريم وابن أخٍ كريم»، لقد أسأنا إليك كثيراً يا محمد، ولم نر منك إلاّ الخير، فأنت أخ كريم عطوف، ونطلب منك العفو والغفران.
قال النبي (ص): إنكم لم تعاملوني بالحسنى، كما يعامل المرء ابن بلده، لقد اتّهمتموني بالكذب والجنون، وأخرجتموني من داري وبلدي، ووقفتم منّي موقف الحرب والخصومة.


بعد فتــــــــــــح مكة :



أصبح الإسلام قوّةً كبيرةً، وحان وقت غروب شمس الطغيان، ومع انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، وانتصارات المسلمين المتوالية في اليمن وحنين وغيرهما، خيّم القلق على قوى الاستكبار، وكان الفرس والرّومان في تلك الأيام، أكبر دولتين على وجه الأرض، وتحت تصرّف كلّ منهما قوة نظاميّة كبيرة. كان الروم قد انتصروا حديثاً على الفرس، وغدوا أكثر إحساساً بقوّتهم وجبروتهم، وإذا بهم يفاجؤون بقوّة أخرى تقف في وجوههم و تتحّداهم، ألا وهي قوّة الإسلام
في السنة العاشرة للهجرة، أتى أمر الله تعالى إلى رسوله (ص) بأن يذهب للحجّ هذا العام، ويعلن ذلك لسائر المسلمين. واستجابةً لدعوته (ص) تحرّك الآلاف من كل فجٍّ، متّجهين نحو مكّة، ليؤدّوا مناسك الحجّ بصحبة رسول الله (ص). وكانت مناسك الحج لهذا العام قد بلغت الغاية في الجلال، ولما انتهت وعزم الناس على التوجّه إلى مواطنهم، وقبل أن يتفرّقوا كل إلى وجهته، أمر الرسول (ص) الناس بالتوقّف في مكان يدعى «غدير غم»، ثم اعتلى مكاناً عالياً هيّئ له. وشرع يتحدث إليهم بأعلى صوته بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه بقوله: أيّها الناس، لقد دعيت وسألبّي قريباً. ونزولاً عند أمر الله سبحانه أوصيكم فاستمعوا، أيّها الناس إني راحل من بينكم، وتارك لكم وديعتين ثمينتين، إحداهما القرآن كتاب الله، والثانية أهل بيتي، واعلموا أنّهما لن يفترقا حتى يوم الدين. ثم أخذ بيد عليٍّ بن أبي طالب (ع) ورفعها قائلاً: «من كنت موالاه فهذا عليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.




مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


وبعد يوم من إعداد الجيش ، مَرِض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصداع شديد تركه طريحَ الفراش، وهو المرض الذي قضى فيه «صلى الله عليه وآله وسلم» .وقد علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهناك من تخلّف عن الجيش، ومن يعرقل التوجه إلى موقعه، ومن يطعن في قيادة أُسامة، فغضب لذلك بشدّة وخرج معصّباً جبهته إلى مسجده، يحذرهم من عواقب أعمالهم غير السليمة وخاطبهم بقوله:
«لئن طَعنتم في إمارتي لاَُسامة، فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيمُ اللّه كان للاِمارة خليقاً، وأنّ ابنه من بعده لخليق للاِمارة، وإنَّه كان لمن أحبّ الناس إليّ، واستوصُوا به خيراً فإنّه من خياركم».
ونظراً لاَهمية هذا الجيش، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول و هو في الفراش: «جهّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ اللّهُ من تخلّف عنه».
وفي الوقت الذي استعدّ فيه أُسامة وآخرون من المهاجرين والاَنصار للسير نحو الجرف، انتشر بينهم خبرُ تدهورِ صحّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّاجعلهم يعدلون عن قصدهم حتى يوم الاِثنين، إلاّ أنّه «صلى الله عليه وآله وسلم» حثّه على الخروج قائلاً: «اغدُ على بركة اللّه». فتهيّأ الجيشُ للتحرّك والمغادرة، إلاّ أنّ خبر احتضارالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلهم يعودون إلى المدينة متجاهلين أوامرَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقد ذكر الموَرخون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في الليلة التي توفّي في صبيحتها، مع الاِمام علي (عليه السلام) إلى البقيع مع عدد آخر، فقال لهم: «إنّي أمرت أن استغفر لاَهل البقيع»، و عندما وصل إلى المكان سلّم على أهل القبور قائلاً:
«السّلامُ عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه، أقبَلَت الفتن كقِطَع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أوّلها». ثمّ التفت إلى الاِمام علي (عليه السلام) و قال:
«يا علي، إنّي خيـّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة، فاخترت لقاء ربّي والجنّة. إنّ جبرائيل كان يعرض عليّ القرآن كل ّسنة مرّة، وقد عرضه عليّ العام مرّتين،ولا أراه إلاّ لحضور أجلي».



الكتاب الذي لم يكتب


قرر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهدف الحيلولة دون انحراف مسألة الخلافة عن محورها الاَصلي، والحيلولة دون ظهور الاختلاف و الافتراق، أن يعزز مكانة علي (عليه السلام) ويدعم إمارته وخلافته، و أهل بيته، بإثبات ذلك في وثيقة خالدة تضمن بقاء الخلافة في خطها الصحيح.
ففي خلال زيارة بعض الصحابة له أثناء مرضه قال: «إئتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده». فبادر عمر قائلاً: إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه. فكثر اللغَط والنقاش حول إحضار ما طلبه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أو عدمه، ممّا أغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع»، وقال ابن عباس: الرزية كل ّالرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللّه.
وقد نَقل هذه الواقعة فريقٌ كبيرٌ من محدّثي الشيعة والسنة وموَرخيهم، وتُعتَبر من الروايات الصحيحة. وإذا سأل أحد عن عدم إصرار النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» على كتابة ذلك الكتاب، فذلك لاَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أصرّ على موقفه، لاَصرّ هوَلاء في الاِساءة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصة أنّهم قالوا عنه، أنّه غلبه الوَجَع أو هجر، ثمّ قيامهم بعد ذلك بإشاعة الاَمر بين الناس.
وقد روى ابن حجر العسقلاني، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لاَصحابه وقد امتلاَت بهم الحجرة وهو في مرضه: «أيّها الناس يوشك أن أُقبضَ سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القولَ معذرةً إليكم، إلاّ أنّي مخلفٌ فيكم كتابَاللّه ربّي عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي».
ثمّ أخذ بيد علي (عليه السلام) وقال :«هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، خليفتان نصيران لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فاسألهما ماذا خلفت فيهما».
ومن الواضح أن ّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفت الاَنظار إلى حديث الثقلين مرّة أُخرى، برغم ما ذكره في مواضع متعدّدة، حتّى يوَكد أهمية الثَّقلين، وتدارك ما فات من كتابة الكتاب الذي لم يوفّق لكتابته.
وفي هذه اللحظات، طلب بعضاً من الدنانير كان قد وضعها عند إحدى زوجاته، وأمر علياً (عليه السلام) ليتصدّق بها.
وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سُقي دواءً خطأً في علاجه،فقد تخيلت «أسماء بنت عميس» أنّ مرضَه ـ ذات الجنب ـ تعلمت علاجه من عقار مركب من نبات وأعشاب من الحبشة، إلاّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما عَلِمَ بالدواء، ذكر بأنّ مرضه ليس ذات الجنب.


اللحظات الاَخيرة


في هذه الفترة الحرجة، كانت السيدة الزهراء(عليها السلام) تلازم فراش والدها (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تفارقه لحظة، وفجأة طلب منها أن تقرب رأسها إلى فمه ليحدّثها، فراح يكلّمها بصوت خفيفٍ لم يُعرَف،ولكن الزهراء(عليها السلام) بكت بشدّة، إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشار إليها مرّة أُخرى فحدّثها بشيء آخر، فرحت به وتبسمت مستبشرة. ولم تكشف عن ذلك إلاّ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على إصرار عائشة: «أخبرني رسول اللّه ص أنّه قد حضر أجلُه وأنّه يُقبَض في وجعه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقاً به فضحكت».
وفي آخر لحظة من حياته الشريفة طلبَ الاِمام عليّاً (عليه السلام) قائلاً: «أُدعوا لي أخي». فعرف الجميع بأنَّه يريد عليّاً (عليه السلام) فدعَوا له عليّاً، فقال له: «أُدن منّي فدنا منه، فاستند إليه فلم يزل مستنداً إليه يكلّمه».
وسأل رجل ابن عباس: هل توفّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حِجر أحد؟ قال: توفّي وهو مستند إلى صدر علىٍّ،وهو الذي غسَّله وأخي الفضلُ بن عباس.
وقيل إنّ آخر جملة نطق بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي:«لا، إلى الرفيق الاَعلى». فكأنّ ملك الموت خيّره عند قبض روحه الشريفة في أن يصح من مرضه أو يلبّي دعوة ربّه، فاختار اللحاق بربّه.
وسأل كعب الاَحبار عن آخر كلمة قالها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال الاِمام علي (عليه السلام) : أنّه قال: الصلاة الصلاة.
وقد ترك الدنيا (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاِثنين 28 صفر، فَسُجّي ببرد يماني، ووُضع في حجرته بعض الوقت، وارتفعت صرخات العيال، وعلا بكاء الاَقارب، وانتشر نبأ وفاته في كلّ أنحاء المدينة التي تحولت إلى مأتم كبير.
وقام الاِمام علي (عليه السلام) بغسل جسده الشريف وكفّنه، إذ أنّه كان قد ذكر: «يغسّلني أقربُ الناس إليّ». وصلّى عليه مع المسلمين، وتقرر دفنُه في حجرته المباركة. وحفر قبره أبو عبيدة بن الجراح وزيد بن سهل، ودفنه الاِمام علي (عليه السلام) يساعده الفضل بن العباس.
و لمّا فرغ الاِمام (عليه السلام) من غسله (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف الاِزار عن وجهه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال والدموع تنهمر من عينيه: بأبي أنت و أُمّي، طبت َحيّاً وطبتَ ميّتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممّن سواك من النبوة والاَنباء. ولولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع، لاَنفدنا عليك ماءَ الشوَون، ولكان الداءُ مماطلاً، والكمَدُ محالِفاً وقلاّ لك، ولكنّه ما لا يُملَك ردّه ولا يستطاع دفعه! بأبي أنت و أُمّي أُذكرنا عند ربّك واجعلنا من بالك».
وهكذا غربت شمس أعظم شخصية غيّرت مسار التاريخ البشري بتضحياته الكبرى وجهوده المضنية، وأعظم رسولٍ إلهيٍ فتح أمام الاِنسانية صفحات جديدة ومشرقة من الحضارة والمدنية.
ومن هنا فإنّنا نختم حديثنا هذا بالشكر للّه تعالى على هذه النعمة الكبرى، والحمد للّه رب ّالعالمين.







التعديل الأخير تم بواسطة يمام ; 02-05-2005 الساعة 09:53 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 07:31 AM رقم المشاركة : 2
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الأمام علــــــــــي بن أبي طالب عليه السلام



قلة أولئك الرجال الذين هم على نسج عليِّ بن أبي طالب... تنهد بهم الحياة، موزعين على مفارق الأجيال كالمصابيح، تمتص حشاشاتها لتفنيها هدياً على مسالك العابرين، وهم على قلتهم، كالأعمدة تنفرج فيما بينها فسحات الهياكل، وترسو على كواهلها أثقال المداميك، لتومض من فرق مشارفها قبب المنائر.
وإنهم في كل ذلك كالرَّواسي، تتقبل هوج الأعاصير وزمجرة السُّحب لتعكسها من مصافيها على السفوح خيرات رقيقة، رفيقة عذبة المدافق.
ومن بين هؤلاء القلة يبرز وجه علي بن أبي طالب في هالة من رسالة وفي ظلِّ من نبوة، فاضتا عليه انسجاماً واكتمالاً كما احتواهما لوناً وإطاراً.
وهكذا توفرت السانحة لتخلق في أكلح ليل طالت دجيته على عصر من عصور الإنسان فيه من الجهل والحيف ما يضم ويذل.. رجلاً تزاخرت فيه وفرة كريمة من المواهب والمزايا، لا يمكن أن يستوعبها إنسان دون أن تقذف به إلى مصافِّ العباقرة.
وهكذا الدخول إلى هذه الشخصية ليس أقل حرمة من الولوج إلى المحراب، وإني أدرك الصعوبة في كل محاولة أقوم بها في سبيل جعل الحرف يطيع لتصوير هذا الوجه الكريم، لأن التصوير يهون علية أن يلتقط بالأشكال والأعراض، في حين يدق عليه أن يتقصىّ ما خلف الأعراض من معانٍ وألوان.
وعلي بن أبي طالب هو بتلك الألوان أكثر مما هو بتلك الأعراض، وإنه عصيّ على الحرف بتصويره بقدر ما هو قصيّ عليه بمعانيه.
فهو لم يأت دنياه بمثل ما يأتيها العاديُّون من الناس، جماعات جماعات. يأتي الناس دنياهم يقضون فيها لبانات العيش ثم عنها بحكم المقدَّر يرتحلون لا تغمرهم بعد آجالهم إلاّ موجة النسيان.. أما هو، فلقد أتى دنياه، أتاها وكأنه أتى بها.. ولما أتت عليه بقي وكأنه أتى عليها.
الحقيقة، إن بطولته هي التي كانت من النوع الفريد، وهي التي تقدر أن تقتلع ليس فقط بوابة (حصن خيبر) بل حصون الجهل برمتها، إذ تتعاجف لياليها على عقل الإنسان.
كل ذلك لأخلُص إلى القول أنَّه يكون من باب الفضاضة أن نربط عبقرية رجل كعلي بن أبي طالب بخيوط الأحداث التي بعثرتها حوله ظروف كئيبة كما تبعثر الريح في الجو بعض الغيوم.
فالأحداث التي مرَّت على جانبيه لم يكن لها أي شأن في تغيير جوهر ذلك المعدن الذي انغلقت عليه شخصيته الفذَّة، كالغيوم عينها التي تتغشى بها صفحة الفضاء لا يمكنها بحال من الأحوال أن تطفئ الشمس. وبالتالي إن هذه الأحداث ليست غير أشكال وأعراض، ومهما تتكثّف ومهما يكثّفها المغرضون، فإنَّ جوهر ابن أبي طالب يلبث خلفها كما تلبث الشمس خلف الغمام.
ومن هنا: إن كل قول في علي بن أبي طالب يحصره في مكان أو زمان يبقى حديثاً له قيمة السرد، ويبقى حروفاً مقفلة لا تنفذ إليها ألوان المعاني.
أما إذا كان علي بن أبي طالب قد حصره التجوال لفترة قصيرة من الزمن بين البصرة والكوفة أو بين مكة والمدينة. فإن ذلك لم يمنع كونه أبداً ذلك العدّاء الذي كانت مواقع خطواته أبعد من محط هذه الأماكن.
وهكذا لا تزال الدنيا بأجيالها تغرف الطيب من أفاويهك، يا أيها الوجه الكريم من سنا ريَّك.





في القرآن:


روى الخطيب بإسناده عن ابن عباس، قال: ( نزلت في علي ثلاثمائة آية)(1).
روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن ابن عباس، قال: (ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي)(2).
وروى بإسناده عن مجاهد، قال: (نزلت في علي سبعون آية ما شركه فيها أحد)(3).
وروى بإسناده عن يزيد بن رومان، قال: (ما نزل في أحد من القرآن ما نزل في علي بن أبي طالب، وعنه، قال: ما انزل في حق أحد ما أنزل في علي من الفضل في القرآن).
وروى بإسناده عن مجاهد، قال: (ما أنزل الله آية في القرآن إلا علي رأسها).
وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقد نزلت في علي ثمانين آية صفواً من كتاب الله ما يشركه فيها أحد من هذه الأمة).
وروى بإسناده عن ابن عباس قال: (أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) يدي ويد علي بن أبي طالب وخلا بنا على بثير، ثم صلى ركعات، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: إن موسى بن عمران سألك، وأنا محمد نبيك أسألك أن تشرح لي صدري وتيسر لي أمري وتحلل عقدة من لساني ليفقه به قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علي بن أبي طالب أخي اشدد به ازري، وأشركه في أمري، قال ابن عباس: سمعت منادياً ينادي: يا أحمد قد أوتيت ما سألت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: يا أبا الحسن ارفع يدك إلى السماء فادع ربك وسل يعطك، فرفع علي يده إلى السماء وهو يقول: (اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك وداً فأنزل الله على نبيه: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) فتلاها النبي (صلى الله عليه وآله) على أصحابه فتعجبوا من ذلك تعجباً شديداً فقال النبي (صلى الله عليه وآله): منها تتعجبون إن القرآن أربعة أرباع فربع فينا أهل البيت خاصة، وربع في أعدائنا، وربع حلال وحرام، وربع فرائض وأحكام، وإن الله أنزل في علي كرائم القرآن)(4).
وروى بإسناده عن حذيفة: أن أناساً تذاكروا فقالوا: ما نزلت آية في القرآن فيها (يا أيها الذين آمنوا) إلا في أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) فقال حذيفة ما نزلت في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلا كان لعلي لبها ولبابها(5).
روى الكنجي الشافعي بإسناده عن ابن عباس قال: ما نزلت آية فيها: (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي رأسها وأميرها. وشريفها ولقد عاتب الله عز وجل أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في غير آي من القرآن وما ذكر علياً إلا بخير(6).
روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس، قال: ما أنزل الله في القرآن (يا أيها الذين آمنوا )إلا كان علي بن أبي طالب أميرها وشريفها لأنه أول المؤمنين إيماناً(7).
روى الخوارزمي بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما أنزل الله آية فيها (يا أيها الذين آمنوا) ألا علي رأسها وأميرها(8).
روى أحمد بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: سمعته يقول: ليس من آية في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلا وعلي رأسها، وأميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) في القرآن وما ذكر علياً إلا بخير(9).
روى ابن عساكر بإسناده عن ابن عباس,. قال: ما أنزل الله من آية فيها (يا أيها الذين آمنوا) دعاهم فيها إلا وعلي بن أبي طالب كبيرها وأميرها(10).
وروى بإسناده عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: ما في القرآن آية (يا أيها الذين آمنوا) إلا علي رأسها)(11).
وروى بإسناده عن ابن عباس، قال: ما نزل في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلا علي 7سيدها، وشريفها وأميرها، وما أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا وقد عاتبه الله في القرآن، ما خلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبه في شيء منه.

1 ـ سورة الفاتحة

(إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب: أنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم، وأنت يعسوب المؤمنين(12).
وروى بإسناده عن مسلم بن حنان عن أبي بريدة في قول الله (إهدنا الصراط المستقيم) قال: (صراط محمد وآله).
وروى بإسناده عن في قول الله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: يقول: قولوا معاشر العباد: إهدنا إلى حب النبي وأهل بيته.
وروى بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله جعل علياً وزوجته وابناءه حجج الله على خلقه وهم أبواب العلم في أمتي. ومن اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم.
• قال السيد شهاب الدين أحمد: مما قال أمير المؤمنين، وإمام المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المنبر...أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم(13).

روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تولوا علياً ـ ولن تفعلوا ـ تجدوه هادياً مهدياً يسلك .

وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قول الله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) قال: النبي ومن معه وعلي بن أبي طالب وشيعته(15).

قال سبط ابن الجوزي: قال ابن عباس: وقد سئل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن الفاتحة، قال (عليه السلام): نزلت من كنز تحت العرش، ولو ثنيت لي الوسادة لذكرت في فضلها حمل بعير ذكر، وليس في القرآن آية إلا وأنا أعلم متى، وفي أي شيء نزلت)(16).

وروى علي بن إبراهيم بإسناده عن حماد عن أبي كم الطريق(14).عبد الله (عليه السلام) في قوله الصراط المستقيم قال هو أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعرفته والدليل على أنه أمير المؤمنين، قوله: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)، وهو أمير المؤمنين (عليه السلام) في أم الكتاب وفي قوله الصراط المستقيم)(17).

2 ـ سورة البقرة
(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين). روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن عبد الله بن عباس في قول الله عز وجل (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) يعني لا شك فيه أنه من عند الله نزل (هدى) يعني بياناً ونوراً. (للمتقين) علي بن أبي طالب الذي لم يشرك بالله طرفة عين، اتقى الشرك وعبادة الأوثان واخلص لله العبادة، يبعث إلى الجنة بغير حساب هو وشيعته(18).

روى علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الكتاب علي (عليه السلام) لا شك فيه (هدى للمتقين) قال بيان لشيعتنا قوله: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون) قال مما علمناهم ينبئون ومما علمناهم من القرآن يتلون(19).

(أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون).

روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن علي بن أبي طالب قال: قال لي سلمان: قلما اطلعت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو الحسن وأنا معه، إلا ضرب بين كتفي وقال: يا سلمان هذا وحزبه المفلحون(20).
(وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون). روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: (آمنوا كما آمن الناس) قال: علي بن أبي طالب، وجعفر الطيار، وحمزة، وسلمان وأبو ذر، وعمار، ومقداد، وحذيفة بن اليمان وغيرهم(21).
(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون) (14).

روى الخوارزمي بإسناده عن ابن عباس: أن عبد الله بن أبي وأصحابه خرجوا فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم علي، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: انظروا كيف أراد ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيد بني هاشم ختن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال علي (عليه السلام) لابن أبي: يا عبد الله اتق الله، ولا تنافق، فإن المنافقين شر خلق الله، فقال: مهلاً يا أبا الحسن فإن إيماننا كإيمانكم، ثم تفرقوا فقال عبد الله بن أبي لأصحابه، كيف رأيتم ما فعلت فاثنوا عليه خيراً ونزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون) فدلت الآية على إيمان علي (عليه السلام) ظاهراً وباطناً، وعلى قطعه موالاة المنافقين وإظهاره عداوتهم، والمراد بالشياطين رؤساء الكفار(22).
روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن محمد بن الحنفية قال: (بينما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد اقبل من خارج المدينة، ومعه سلمان الفارسي وعمار وصهيب والمقداد، وأبو ذر، إذ بصر بهم عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ومعه أصحابه، فلما دنا أمير المؤمنين قال عبد الله بن أبي: مرحباً بسيد بني هاشم وصي رسول الله وأخيه وختنه وأبي السبطين الباذل له ماله ونفسه، فقال: ويلك يا بن أبي أنت منافق أشهد عليك بنفاقك، فقال بن أبي: وتقول مثل هذا لي، والله إني لمؤمن مثلك ومثل أصحابك، فقال علي: ثكلتك أمك ما أنت إلا منافق ثم أقبل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بما جرى فأنزل الله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا) يعني: وإذا لقي ابن سلول أمير المؤمنين المصدق بالتنزيل قالوا آمنا، يعني صدقنا بمحمد والقرآن، (وإذا خلوا إلى شياطينهم) من المنافقين قالوا: أنا معكم في الكفر، والشرك، (إنما نحن مستهزؤون) بعلي بن أبي طالب وأصحابه يقول الله تعالى تبيكتاً لهم: (الله يستهزئ بهم) يعني يجازيهم في الآخرة جزاء استهزائهم بعلي وأصحابه (رضي الله عنهم)(23).
(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) (25).

روى الحيري الكوفي بإسناده عن ابن عباس قال: فيما نزلت من القرآن في خاصة رسول الله وعلي وأهل بيته دون الناس من سورة البقرة: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الآية نزلت في علي، وحمزة، وجعفر، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب(24).
(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون).

روى الحاكم الحسكاني بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: (وقعت الخلافة من الله عز وجل في القرآن لثلاثة نفر: لآدم (عليه السلام) لقول الله عز وجل (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) يعني آدم، وقالوا: (اتجعل فيها) يعني اتخلق فيها (من يفسد فيها) يعني يعمل بالمعاصي بعدما صلحت بالطاعة، نظيرها: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) يعني لا تعملوا بالمعاصي بعد ما صلحت بالطاعة، نظيرها: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها) يعني ليعمل فيها بالمعاصي (ونحن نسبح بحمدك) يعني نذكرك. (ونقدس لك) يعني ونطهر لك الأرض، (قال إني أعلم ما لا تعلمون) يعني سبق في علمي أن آدم وذريته سكان الأرض وأنتم سكان السماء.
والخليفة الثاني: داواد (صلوات الله عليه) لقوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) يعني أرض بيت المقدس.
والخليفة الثالث: علي بن أبي طالب لقول الله تعالى:
(وليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) (يعني آدم وداود)(25).
وروى بإسناده عن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول إن وصيي وخليفتي وخير من أترك بعدي ينجز موعدي ويقضي ديني علي بن أبي طالب(26).

(وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة.فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).
روى السيوطي بإسناده عن ابن عباس قال: (سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه. قال: (صلى الله عليه وآله) سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه)(27).
روى الخوارزمي بإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى (واركعوا مع الراكعين) نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي خاصة، وهو أول من صلى وركع)(30).

وروى بإسناده عن ابن عفيف الكندي عن أبيه عن جده قال: قدمت مكة لأبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها فأويت إلى العباس بن عبد المطلب وكان رجلاً تاجراً فأنا جالس عنده انظر إلى الكعبة وقد طلعت الشمس في السماء وارتفعت إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم قام مستقبل الكعبة، فلم ألبث إلا يسيراً حتى جاء غلام فقام عن يمينه، ثم لم ألبث إلا يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب وركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرآة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة فقلت: يا عباس أمر عظيم، فقال العباس: نعم أمر عظيم، تدري من هذا الشاب؟ قلت: لا. قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هذا ابن أخي هل تدري من هذا الغلام؟ قلت:لا، قال: هذا علي بن أبي طالب هذا ابن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ قلت: لا. قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجته، ان ابن أخي هذا أخبر أن ربه رب السموات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا والله ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة)(32).
• روى الحيري بإسناده عن ابن عباس، قوله (واركعوا مع الراكعين) أنها نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وهما أول من صلى وركع(33).ا



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
الهوامش :

1 ـ تاريخ بغداد 6ص221، ورواه ابن عساكر في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق ج2 ص431 رقم / 934، وابن حجر في الصواعق ص76.
2 ـ شواهد التنزيل ج1 ص39 رقم / 49، ابن عساكر في ج2 ص430 رقم / 933.
3 ـ المصدر ص41 رقم 50 و53 و54 و52 وص42 رقم / 55.
4 ـ ص 43
5 ـ ص48
6 ـ كفاية الطالب الباب الحادي والثلاثون ص140
7 ـ شواهد التنزيل ج1 ص53 رقم / 81، ورواه الزرندي في نظم درر السمطين ص89 مع فرق.
8 ـ المناقب، الفصل السابع عشر ص188، ورواه الكنجي في كفاية الطالب ص139.
9 ـ فضائل أحمد ج1 ص188 رقم / 225 مخطوط
10 ـ ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق ج2 ص428
11 ـ نفس المصدر ص430 رقم 928 – 930 – 931.
12 ـ و2 شواهد التنزيل ج1 ص58 رقم / 88 ص57 رقم / 86 ص58 رقم / 87.
13 ـ توضيح الدلائل في تصحيح الفضائل ص261.14 ـ شواهد التنزيل ص65 رقم / 102.
15 ـ شواهد التنزيل ص66 رقم / 105.
16 ـ تذكرة الخواص ص168.
17 ـ تفسير القمي ج1 ص28.
18 ـ شواهد التنزيل ج1 ص67 رقم / 106.
19 ـ تفسير القمي ص30.
20 ـ شواهد التنزيل ج1 ص70 رقم / 110.
21 ـ شواهد التنزيل ج1 ص71 رقم / 111.
22 ـ المناقب ص196 الفصل السابع عشر، ورواه الكنجي في كفاية الطالب ص248، وروى البحراني في غاية المرام من طريق العامة والخاصة بهذا المضمون حديثين.
23 ـ شواهد التنزيل ج1 ص72 رقم / 112.24 ـ ما نزل من القرآن في أهل البيت بتحقيق السيد أحمد الحسيني، ورواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج1 ص74 رقم / 113.
25 ـ شواهد التنزيل ج1 ص75 رقم / 114.
26 ـ شواهد التنزيل ج1 ص77 رقم / 115.
27 ـ الدر المنثور ج1 ص60، ورواه ابن المغازلي في مناقب علي بن أبي طالب (ع) ص63 رقم / 89.
28 ـ ينابيع المودة الباب الرابع والشعرون ص97.
29 ـ منهاج الكرامة البرهان العاشر ص88 مخطوط.
30 ـ المناقب الفصل السابع عشر ص198.
31 ـ شواهد التنزيل ج1 ص85 وص86 رقم / 134 / 125.
32 ـ نفس المصدر السابق
33 ـ ما نزل من القرآن في أهل البيت ص46.


ولادتــــــــــــــه ( وليد الكعبة )


هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
أحست السيدة فاطمة بنت أسد بوجع الولادة وهي في الشهر التاسع من الحمل، وأقبلت إلى المسجد الحرام وطافت حول الكعبة، ثم وقفت للدعاء والتضرع إلى الله تعالى ليسهل عليها أمر الولادة، قائلة :


يا رب إني مؤمنة بك وبكل كتاب أنزلته، وبكل رسول أرسلته...
ومصدقة بكلامك وكلام جدي إبراهيم الخليل (عليه السلام)، وقد بنى بيتك العتيق، وأسألك بحق أنبياءك المرسلين، وملائكتك المقربين وبحق هذا الجنين الذي في أحشائي..إلا يسرت عليّ ولادتي.


انتهى دعاء السيدة، وانشق جدار الكعبة من الجانب المسمى (بالمستجار) ودخلت السيدة فاطمة بنت أسد إلى جوف الكعبة، وارتأب الصدع، وعادت الفتحة والتزقت وولدت السيدة ابنها علياً هناك(2).
من المعلوم: أن للكعبة باباً يمكن منه الدخول والخروج، ولكن الباب لم ينفتح، بل انشق الجدار ليكون أبلغ وأوضح وأدل على خرق العادة، وحتى لا يمكن إسناد الأمر إلى الصدفة.
والغريب: أن الأثر لا يزال موجوداً على جدار الكعبة حتى اليوم بالرغم من تجدد بناء الكعبة في خلال هذه القرون، وقد ملأوا أثر الانشقاق بالفضة والأثر يرى بكل وضوح على الجدار المسمى بالمستجار، والعدد الكثير من الحجاج يلتصقون بهذا الجدار ويتضرعون إلى الله تعالى في حوائجهم.
ووصل الخبر إلى أبي طالب، فأقبل هو وجماعة وحاولوا ليفتحوا باب الكعبة حتى تصل النساء إلى فاطمة ليساعدنها على أمر الولادة، ولكنهم لم يستطيعوا فتح الباب، فعلموا أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى.
وبقيت السيدة في الكعبة ثلاثة أيام، وانتشر الخبر في مكة، وجعل الناس يتحدثون به حتى النساء، وازدحم الناس في المسجد الحرام، ليشاهدوا مكان الحادثة، حتى كان اليوم الثالث، وإذا بفاطمة قد خرجت ـ من الموضع الذي كان قد انشق لدخولها ـ وعلى يدها صبي كأنه فلقة قمر وأسرعت الجماهير المتجمهرة إليها فقالت: معاشر الناس، إن الله عز وجل اختارني من خلقه وفضلني على المختارات ممن مضى قبلي، وقد اختار الله آسية بنت مزاحم فإنها عبدت الله سراً في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطراراً، ومريم بنت عمران، حيث هانت ويسرت ولادة عيسى فهزت الجذع اليابس من النخلة في فلاة من الأرض حتى تساقط عليها رطباً جنياً وإن الله تعالى اختارني (فضلني) عليها وعلى كل من مضى قبلي من نساء العالمين لأني ولدت في بيته العتيق، وبقيت فيه ثلاثة أيام آكل من ثمار الجنة وأوكانت ولادته يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب، بعد مضي ثلاثين سنة من عام الفيل.رزاقها...



محبة رسول الله لعلي عليه السلام


وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ لفاطمة بنت أسد ـ : اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يلي علياً أكثر تربيته، وكان يطهر علياً في وقت غسله، ويوجره اللبن (يجعله في فمه) عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره، ويقول: هذا أخي ووليي، وصفيي، وذخري وكهفي وظهري، ووصيي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي وخليفتي، وكان يحمله دائماً ويطوف به في جبال مكة وشعابها وأوديتها.
وأخذ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً، فانتخبه لنفسه فصطفاه لمهم أمره، وعول عليه في سره فجهره، وهو مسارع لمرضاته موفق للسداد في جميع حالاته، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ابتداء طروق الوحي إليه، كلما هتف به هاتف أو سمع من حوله رجفة راجف، أو رأى رؤياً أو سمع كلاماً يخبر بذلك خديجة وعلياً (عليهما السلام) ويستسرهما هذه الحالة فكانت خديجة نثبته وتصبره، وكان علي (عليه السلام) يهنئه ويبشره ويقول له: والله يا ابن عم ما كذب عبد المطلب فيك، ولقد صدقت الكهان فيما نسبته إليك، ولم يزل كذلك إلى أن أمر (صلّى الله عليه وآله) بالتبليغ.
فكان أول من آمن به من النساء خديجة، ومن الذكور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعمره يومئذ عشر سنين، وكانت السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) تشاهد النبي يعطف ويحنو على علي (عليه السلام) ويتولى رعايته منذ نعومة أظفاره، فكانت السيدة خديجة تستزيده وتزينه وتحليه وتلبسه وترسله مع جواريها، ويحمله خدمهاوكان علي (عليه السلام) له الحظ الأوفر والنصيب الأكثر من الشجاعة ومقاتلة الأبطال ومنازلة الشجعان، ولا أقصد من كلمتي هذه أن علياً كان سفاكاً للدماء، بل المقصود: أن إيمان علي (عليه السلام) بالله كان فوق كل غريزة وكل اتجاه، مع العلم أنه كان يومذاك في ريعان الشباب، والشاب أكثر تعلقاً بالحياة من الشيخ الذي قضى وطره في حياة الدنيا، مع ذلك لم يكن علي (عليه السلام) يعرف للخوف معنى، ولا للجبن مفهوماً في نفسه، بل كان يستقبل الموت برحابة صدر ويهرول في الحرب جانب العدو كأنه يقصد شيئاً يحبه حتى أجمع المسلمون وغير المسلمين أن علياً أشجع العرب والعجم، ولم يشهد التاريخ له مثيلاً ونظيراً فضلاً من أن يرى أشجع منه. وقد شارك هذا الامام العظيم الرسول الكريم فى معارك كثيره نذكر منها معركة بدر .


علي (عليه السلام) يوم بدر


في البحار: ج6 قال الإمام الباقر (عليه السلام): انتدب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليلة بدر إلى الماء، فانتدب علي (عليه السلام)، فخرج، وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة فخرج بقربته، فلما كان إلى القليب (البئر) لم يجد دلواً، فنزل في الجب تلك الساعة، فملأ قربته، ثم أقبل فاستقبلته ريح شديدة فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به ريح أخرى فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به أخرى فجلس حتى مضت، فلما جاء إلى النبي قال له النبي (صلّى الله عليه وآله): ما حبسك يا علي؟ قال: لقيت ريحاً ثم ريحاً ثم ريحاً شديدة فأصابتني قشعريرة.
فقال: أتدري ما كان ذلك يا علي؟ فقال: لا.
فقال: ذاك جبريل مر في ألف من الملائكة وقد سلم عليك وسلموا، ثم مر ميكائيل في ألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا، ثم مر إسرافيا وألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا.
وفي هذه الليلة اختص أمير المؤمنين (عليه السلام) بثلاثة آلاف فضيلة وثلاث فضائل، لتسليم ثلاثة آلاف وثلاثة من الملائكة عليه.

وفيها يقول الحميري:


أقســـــم بــــــالله وآلائـــــه = والـــمرء عما قال مســؤول
إن عـلـــي بن أبــي طالـــب = عـلــى التقى والبر مجــبول
كان إذا الحرب مرتها القــنا = وأحجمت عـنها البهاليـــــل
يمشي إلى القرن وفي كفـه = أبيض ماضي الحد مصقول
مشــــي العفرنا بين أشباله = أبـــرزه للقـنـــــص الغيــــل
ذاك الذي سلم فـــــــي ليلة = عـليـــه ميكــــال وجـبريــل
ميكال في ألف وجبريل في = ألف ويتلــــوهم اسرافـيـــل
ليلة بـــدر مــــدداً أنزلــــوا = كأنهـــم طيــــر أبابيــــــــل


علي (عليه السلام) في مصيبة الزهراء



كانت مصيبة وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أوجع الفجائع على قلب علي (عليه السلام) ولولا إيمان علي وصبره على المصيبة لمات حزناً في تلك المأساة، إذ ما فارق الحزن قلب علي (عليه السلام) حتى فارق الحياة، فسرعان ما ابيضت لحيته الكريمة فقيل له: لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): الخضاب زينة ونحن قوم في مصيبة.
يريد بها وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ولم يختضب الإمام طيلة أيام حياته لهذا السبب ولأن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخبره بخضاب خاص، فقد روى ابن نباته قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما منعك من الخضاب وقد اختضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: أنتظر أشقاها أن يخضب لحيتي من دم رأسي، بعهد معهود أخبرني به حبيبي رسول الله.
ولما فارق النبي الحياة وهو بعد لم يدفن اجتمع الناس في موضع يقال له (السقيفة) وقد رشح سعد بن عبادة نفسه للإمارة وهو سيد الخزرج، وأسيد بن حصين أو بشير بن سعد قد رشح نفسه أيضاً لأنه سيد الأوس، وبين الأوس والخزرج عداء وتنافس قديم.
ودخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة في ذلك المجتمع واستمعوا إلى كلام المرشحين للإمارة والرئاسة، وتكلم أبو بكر ودعا الناس إلى عمر أو أبي عبيدة، وامتنع الرجلان أن يتقدما أبا بكر لأنه صاحب الغار، وجرى كلام ونزاع طويل واصطدام عنيف فيما بين المهاجرين والأنصار وبين أبي بكر وأهل السقيفة، حتى آل الأمر إلى التهديد والشتم.
وهنا انتهز رئيس الأوس الفرصة، وتضعيفاً لجانب سعد بن عبادة (منافسه) وافق على تأمير أبي بكر، وضم صوته إلى صوت عمر وأبي عبيدة وقال: أنا ثالثكما.
ولما رأى الأوس سيدهم انحاز إلى تلك الناحية اتبعوا رئيسهم، وأقبلوا إلى أبي بكر وبايعوه، وكاد سعد بن عبادة يموت تحت الأقدام، فصاح قتلمتوني.
فصاح عمر: اقتلوا سعداً قتله الله.
وهكذا وقع الانتخاب، وبويع لأبي بكر بالخلافة، وذهبت مساعي النبي (حول تعيين الخليفة) أدراج الرياح، وصارت تلك الجهود هباء منثوراً.
وحدثت حوادث مؤلمة مشجية لا نذكرها تحفظاً على العواطف أن تخدش، وإن كانت تلك الحوادث مذكورة في الآلاف المؤلفة من كتب الحديث والتاريخ، ومشهورة عند المسلمين.

ونذكر جملة عن موقف الإمام في ذلك العهد: فلقد أخذوا البيعة من الناس لأبي بكر، وجاؤا إلى علي ليخرجوه من البيت ليبايع لأبي بكبر فلم تأذن لهم فاطمة بالدخول في بيتها، فصدر الأمر بالهجوم فهجموا وأخذوا علياً بعد أن خلعوا عنه سلاحه وأخرجوه من البيت يريدون به المسجد، وخرجت فاطمة خلفهم وهي بأشد الأحوال، إذ إنها أجهضت جنينها فكأنها نسيت آلامها فجعلت تعدو وتصيح: خلوا عن ابن عمي؟ خلوا عن بعلي! والله لأكشفن عن رأسي ولأضعن قميص أبي على رأسي وأدعوا عليكم!!!
ووصلت إلى باب المسجد فرأت منظراً مؤلماً لا نستطيع أن نصفه إلا إنها استطاعت أن تخلص زوجها من أيدي الناس وتحول بينهم وبين أخذ البيعة منه، ورافقت زوجها إلى البيت سالماً.
أظلمّت الدنيا في عين علي (عليه السلام) وضاقت عليه الأرض بما رحبت، لأنه فقد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ومصيبة النبي أعظم مصيبة على قلب كل أحد، ولم تنته الكارثة، فقد خيمت الأحزان على بيت علي، وانقلب البيت إلى مجلس عزاء وحزن وبكاء، فلقد كانت الصديقة الطاهرة لا تفارق البكاء على وفاة أبيها وعلى مصائبها ونوائبها التي استولت على قلبها المجروح، ولم تجد من الناس أي تعزية وتسلية.
ومما زاد في حزنها إخراج أراضيها (فدك) من يدها وهناك قضايا وقضايا ساعدت على انحراف صحة فاطمة، واشتداد علتها واستيلاء الهزال عليها، فكانت تبكي ليلها ونهارها، ومنعوها عن البكاء، فكانت تخرج إلى قبر حمزة سيد الشهداء أو إلى البقيع أو إلى بيت بناه لها أمير المؤمنين خارج المدينة وسماه (بيت الأحزان) وعاشت بعد أبيها مظلومة مهضومة باكية العين محترقة القلب منهدة الركن معصبة الرأس حليفة الفراش عليلة مريضة.

ودخل عليها علي (عليه السلام) قبل وفاتها فوجدها تغسل ثياب أولادها وتغسل رؤوسهم فسألها عما دعاها إلى العمل المجهد؟ فقالت: يا ابن عم إنه قد نعيت إلى نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلا أنني لاحقة بأبي، ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي.
قال لها علي (عليه السلام): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله.
فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا أبن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني!!! قال علي (عليه السلام): معاذ الله! أنت أعلم بالله، وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من الله من أن أوبخك بمخالفتي، وقد عز علي مفارقتك وفقدك، إلا إنه أمر لا بد منه، والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها!! هذه والله مصيبة لا عزاء عنها، ورزية لا خلف لها.
ثم بكيا جميعاً، وأخذ علي رأسها وضمها إلى صدره ثم قال: أوصيني بما شئت، فإنك تجديني وفياً، أمضي كل ما أمرتني به وأختار أمرك على أمري.
فقالت: جزاك الله عني خير الجزاء، يا ابن عم أوصيك أولاً: أن تتزوج بعدي بإبنة أختي أمامة، فإنها تكون لولدي مثلي، فإن الرجال لا بد لهم من النساء.
أوصيك يا ابن عم: أن تتخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوروا لي صورته، فقال لها: صفيه لي.
فوصفته، فاتخذه لها.
ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني فإنهم عدوي وعدو رسول الله، ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم، ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار.
إلى آخر وصاياها...
ثم فارقت روحها الحياة، وانتشر الخبر، فصاح أهل البيت صيحة واحدة، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة تتزعزع من صراخهن.
وازدحم الناس على باب بيت الإمام ينتظرون خروج الجنازة، فخرج أبو ذر ونادى: ‘نصرفوا فإن ابنة رسول الله قد أُخّر إخراجها هذه العشية.
فتفرق الناس، وجن الليل، ومضى شطر منه، فقام علي (عليه السلام) وغسل أبنة رسول الله من على ثيابها وحنطها بفاضل حنوط أبيها رسول الله وكنفها في أكنافها، ثم أرسل إلى عمار والمقداد وسلمان وأبي ذر وعقيل وال***ر وبريدة ونفر من بني هاشم فلما حضروا صلى عليها علي ودفنوها، ولم يعلم أحد حتى اليوم أين دفنوها؟ ولا يعرف أحد موضع قبرها، ففي البقيع قبر ينسب إليها، وبين منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقبره قول عند المحدثين، والله العالم بموضع قبرها، وسيبقى قبرها مجهولا عند الناس إلى يوم القيامة.
ولعل في هذا الكتمان أسرارا تستدعي انتباه المسلمين للتحري عن السبب المبرر لتلك الوصية، ولعل هذا الإخفاء رمز يرمز إلى معاني وأمور يعرفها الفطن الذكي.

وقد اختلف المسلمون في المدة التي عاشت فيها فاطمة (عليها السلام) بعد وفاة أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقيل: عاشت بعد أبيها أربعين يوماً، أو خمساً وسبعين يوماً، أو خمساً وتسعين يوماً، أو ستة أشهر، وفارقت الحياة وكانت أول أهل البيت لحوقاً بالنبي (صلّى الله عليه وآله).
انهد ركنا الإمام بفقد الزهراء سيدة النساء وازدادت مصيبته بأطفاله الأربعة (الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم) الذين فقدوا أمهم في عنفوان شبابها بعد أن فجعوا بجدهم البار العطوف الذي كان يمطر عليهم حنانه الأبوي ويشملهم عطفه النبوي.
ومما زاد في أحزان الإمام وبلغ به الاضطهاد أقصى درجة هو تنفيذ وصايا فاطمة بصورة سرية، كمباشرته تغسيلها وتحنيطها وتكفينها والصلاة عليها ودفنها سراً لا جهاراً وليلاً لا نهاراً، وإخفاء موضع قبرها، وغير ذلك من الأمور التي كان من الصعب المستصعب على قلب الإمام تنفيذها وإنجازها.
فقد ماتت فاطمة ودفنت كأنها امرأة غريبة لا يعرفها أحد، وكأنها ليست ببضعة رسول الله وحبيبته، وأبنته الوحيدة!! وكان الإمام (عليه السلام) يتجلد في تلك المصيبة رعاية ليتامى فاطمة، إلى أن دفنها في تلك الساعة من تلك الليلة وهو يحاول أن لا يطلع عليه أحد، فيكون سبباً للحيلولة دون تطبيق وصايا فاطمة وتنفيذها، إلى أن أدى جميع الوصايا كما ينبغي، فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك، النازلة بجوارك، المختار لها الله سرعة اللحاق بك قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري وضعف عن سيدة الناس تجلدي، إلا أن لي في التأسي بسنتك والحزن الذي حلّ بي لفراقك موضع التعزي ولقد وسدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي، وتوليت أمرك بنفسي.
نعم، وفي كتاب الله أنعم القبول، وإنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء!! يا رسول الله: أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، لا يبرح الحزن من قلبي، أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم، كمدٌ مقيّح وهمٌّ مهيج، سرعان ما فرق الله بيننا، إلى الله أشكو، وستنبئك أبنتك بتظاهر أمتك علي، وعلى هضمها حقها، فاستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها، لم تجد إلى بثه سبيلاً، وستقول، ويحكم الله وهو خير الحاكمين.

سلام عليك يا رسول الله، سلام مودّع لا سئيم ولا قالٍ، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظني بما وعد الله مع الصابرين، والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين علينا، لجعلت المقام عند قبرك لزاماً، والتلبث عنده عكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن ابنتك سراً، ويهتضم حقها قهراً، ويمنع إرثها جهراً، ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر، وإلى الله ـ يا رسول الله ـ المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته.
ثم جعل يقول:

أرى علل الدنيا عـــلي كثيرة = وصاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة = وكل الذي دون الفراق قليـــل
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد = دليل على أن لا يدوم خليــل
نفسي على زفراتها محبوسة = يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة وإنما = أبكي مخافة أن تطول حياتي



زواج علي بعد فاطمة (عليهما السلام)


إضطر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة سيدة نساء العالمين أن يبادر إلى إختيار زوجة تقوم بشؤون أيتام الإمام الذين فقدوا أمهم في عنفوان شبابها فقدوها وهم براعم صغار لم تتفتح بعد، إذ كان الإمام الحسن وهو أكبر أولاد الإمام عمره يومذاك سبع سنوات وشهوراً وكان الإمام الحسين أصغر منه بستة أشهر وأيام وكذلك السيدة زينب وأختها أم كلثوم هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كانت الزهراء قد أوصت يوم وفاتها أن يتزوج علي (عليه السلام) بالسيدة أمامة وهي حفيدة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أنها كا نت بنت زينب بنت رسول الله، وتنفيذاً لهذه الوصية بادر الإمام إلى الزواج بأمامة بعد تسعة أيام من وفاة الزهراء كما ذكر ذلك الشيخ المفيد وروى عنه المجلسي في التاسع من البحار.



كلام حول أزواج الإمام وأولاده


وبالمناسبة لا بأس أن نذكر شيئاً مما يتعلق بعدد زوجات الإمام وأولاده فنقول: كان له (عليه السلام) سبعة وعشرون من الأولاد ذكوراً وإناثاً:
1 ـ 4 الإمام الحسن والإمام الحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة بأم كلثوم، وأمهم فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
5 ـ محمد بن الحنيفة وأمه خولة بنت جعفر.
6 ـ 7 عمر ورقية، وكانا توأمين، وأمهما الصهباء، ويقال أم حبيب التغلبية.
8 ـ 12 أبو الفضل العباس وجعفر وعثمان وعبد الله، وأمهم فاطمة أم البنين بنت حزام بن خالد الكلابية، استشهدوا يوم الطف في نصرة الحسين (عليه السلام).
13 ـ 14 يحيى وعون وأمهما أسماء بنت عنيس الخثعمية.
15 ـ 16 محمد الأصغر المكنى أبا بكر، وعبيد الله وأمهما: ليلى بنت مسعود الدارمية وقتلا يوم الطف.
17 ـ 20 خديجة وأم هاني وميمونة وفاطمة وأمهن: أم ولد جارية.
21 ـ 22 أم الحسن ورملة وأمهما: أم شعيب الدارمية وقيل: أم سعيد وقيل: أم مسعود المخزومية.
23 ـ 27 نفيسة وزينب الصغرى وأم سلمة وأم الكرام وجمانة لأمهات شتى.
وأما أولاده الذين أعقبوا فهم خمسة: الحسن والحسين (عليهما السلام) ومحمد بن الحنيفة والعباس وعمر، ومات عدد من الأولاد والبنات في أيام حياة الإمام (عليه السلام).
ولم يتزوج علي (عليه السلام) ما دامت الزهراء كانت على قيد الحياة كرامة لها، كما أن رسول الله لم يتزوج ما دامت خديجة على قيد الحياة، ولعل السبب في عدم تزويج علي في حياة فاطمة الزهراء هو قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم): من آذاها فقد آذاني.
هذا والمعروف: أن علياً تزوج بعد وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأربع حرائر وملك عشر إماء وقد روي في المناقب عن الشيخ المفيد أن أولاده خمسة وعشرون وربما يزيدون على ذلك إلى خمسة وثلاثين.



علي (عليه السلام) طريح الفراش


بياناً لشرح الواقعة والدهشة التي استولت على الناس إثر استماع الصيحة السماوية وانتشار الخبر في الكوفة بأسرع ما يكون، وأقبلت الجماهير تتراكض إلى المسجد (محل الحادثة) حتى المخدرات خرجن من خدورهن، وغص المسجد الجامع بالناس، فلا ترى إلا صفق الأيدي على الرؤوس ولا تسمع إلا أصوات النياحة وصرخات الناس، وقد أزدحم الناس حول الإمام ينظرون إلى ذلك البطل الذي كان يخوض غمار الموت، وكانت الأسود تخاف من باسه واسمه، ينظرون إليه وقد أبيض وجهه من نزف الدم، وصلى الإمام صلاة الصبح من جلوس، ثم قال احملوني إلى منزلي.
فحملوه والناس حوله يبكون وينتحبون، وكان الحسن والحسين أشد الناس بكاء وحزناً، فكان الحسين (عليه السلام) يبكي ويقول: يا أبتاه من لنا بعدك؟ لا يوم كيومك إلا يوم رسول الله، من أجلك تعلمت البكاء، يعز ـ والله ـ علي أن أراك هكذا.
فعزاه الإمام وسلاه، ومسح دموع ولده ووضع يده على قلب ولده وقال: يا بني ربط الله على قلبك وأجزل لك ولأخوتك عظيم الأجر.
أقبلت بنات رسول الله وسائر بنات الإمام وجلسن حول فراشه ينظرن إلى أسد الله وهو بتلك الحالة، فصاحت زينب الكبرى وأختها: أبتاه من للصغير حتى يكبر؟ ومن للكبير بين الملأ؟ يا أبتاه حزننا عليك طويل، وعبرتنا لا ترقا! فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب، وشاركهم الإمام وفاضت عيناه بالدموع.
اجتمع الأطباء والجراحون فوصفوا للإمام اللبن، لأن سيف ابن ملجم كان مسموماً، فكان اللبن طعامه وشرابه، ودعي الإمام بولديه وجعل يقبلهما ويحصنهما لأنه علم أنه سيفارقهما وكان يغمى عليه ساعة بعد ساعة، فناوله الحسن قدحاً من اللبن فشرب منه قليلاً، ثم نحاه عن فمه وقال: احملوه إلى أسيركم! ثم قال للحسن: يا بني بحقي عليك إلا ما طيبتم مطعمه ومشربه وارفقوا به إلى حين موتي! وتطعمه مما تأكل، وتسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم منه!! وكان اللعين ابن ملجم محبوساً في بيت، فحملوا إليه اللبن وأخبروه بعطف الإمام وحنانه على قاتله، فشرب اللعين اللبن.
قال محمد بن الحنيفة: بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي وقد نزل السم إلى قدميه، وكان يصلي تلك الليلة من جلوس ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا عن نفسه، ويخبرنا بأمره إلى طلوع الفجر، فلما أصبح استأذن الناس عليه، فأذن لهم بالدخول، فدخلوا عليه واقبلوا يسلمون عليه وهو يرد (عليهم السلام) ثم يقول: أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم!! فبكى الناس بكاء شديداً، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفاً عنه فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال:

فيا أسفي على المولى النقي = أبي الأطهار حيدرة الزكي
قتله كـــــافر حنــــــث زنيم = لعين فاســـــق نغل شـــــقي

إلى آخر أبياته، فلما بصر الإمام وسمع شعره قال له: كيف بك إذا دعيت إلى البراءة مني؟ فما عساك أن تقول؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إرباً إرباً، وأضرم لي النار وألقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك!! فقال (عليه السلام): وفقت لكل خير يا حجر، جزاك الله عن أهل بيت نبيك.
ثم قال هل من شربة لبن؟ فأتوه بلبن فشربه كله، فذكر (عليه السلام) ابن ملجم وأنه لم يترك له من اللبن شيئاً فقال: وكان أمر الله قدراً مقدوراً، أعلموني أني شربت الجميع، ولم أبق لأسيركم شيئاً من هذا! ألا: وإنه آخر رزقي من الدنيا! فبالله عليك ـ يا بني ـ إلا ما سقيته مثل ما شربت، فحمل إليه اللبن فشرب.
كان الناس متجمهرين على باب الإمام ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في حق ابن ملجم، فخرج إليهم الإمام الحسن وأمرهم عن قول أبيه بالانصراف، فانصرف الناس، وكان الأصبغ بن نباته جالساً فلم ينصرف، فخرج الإمام الحسن مرة ثانية وقال: يا أصبغ أما سمعت قولي عن أمير المؤمنين؟ قال: بلى، ولكني رأيت حاله، فأحببت أن أنظر إليه فاسمع من حديثاً، فاستأذن لي رحمك الله.
فدخل الحسن ولم يلبث أن خرج فقال له: أدخل.
قال الأصبغ فدخلت فإذا أمير المؤمنين معصب بعصابة، وقد علت صفرة وجهه على تلك العصابة، وإذا هو يرفع فخذاً ويضع أخرى من شدة الضربة وكثرة السم.
فقال لي: يا أصبغ أما سمعت قول الحسن عن قولي؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، ولكني رأيتك في حالة فأحببت النظر إليك، وأن أسمع منك حديثاً.
فقال لي: أقعد، فما أراك تسمع مني حديثاً بعد يومك هذا!! إعلم يا أصبغ: أني أتيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عائداً كما جئت الساعة فقال: يا أبا الحسن أخرج فناد في الناس: الصلاة جامعة، واصعد المنبر وقم دون مقامي بمرقاة، وقل للناس: ألا: من عق والديه فلعنة الله عليه، ألا:من أبق مواليه فلعنة الله عليه، ألا: من ظلم أجيراً أجرته فلعنة الله عليه! يا أصبغ: ففعلت ما أمرني به حبيبي رسول الله، فقام من أقصى المسجد رجل فقال: يا أبا الحسن تكلمت بثلاث كلمات أوجزتهن (اختصرتهن) فلم أرد جواباً حتى أتيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقلت ما كان من الرجل.
قال الأصبغ: ثم أخذ بيدي وقال: يا أصبغ أبسط يدك، فبسطت يدي، فتناول أصبع من أصابع يدي وقال: يا أصبغ كذا تناول رسول الله الحسن ألا: وإني وأنت أبوا هذه الأمة، فمن عقنا فلعنة الله عليه، ألا وإني وأنت موليا هذه الأمة فعلى من أبق عنا لعنة الله، ألا: وإني وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن ظلمنا أجرنا فلعنة الله عليه، ثم قال: آمين.
فقلت آمين.
قال الأصبغ: ثم أغمي عليه ثم أفاق فقال لي: أقاعد أنت يا أصبغ؟ قلت: نعم يا مولاي قال: أزيدك حديثاً آخر؟ قلت نعم زادك الله من مزيدات الخير، قال: يا أصبغ: لقيني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بعض طرقات المدينة وأنا مغموم، قد تبين الغم في وجهي، فقال لي: يا أبا الحسن أراك مغموماً؟ ألا أحدثك بحديث لا تغتم بعده أبداً؟؟ قلت: نعم.
قال: إذا كان يوم القيامة نصب الله منبراً يعلو منبر النبيين والشهداء ثم يأمرني الله أن أصعد فوقه ثم يأمرك الله أن تصعد دوني بمرقاة ثم يأمر الله ملكين فيجلسان دونك بمرقاة، فإذا استقللنا على المنبر لا يبق أحد من الأولين والآخرين إلا حضر، فينادي الملك الذي دونك بمرقاة: معاشر الناس ألا: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا أدفع مفاتيح الجنة إلى محمد، وإن محمداً أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب، فاشهدوا لي عليه.
ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة منادياً يسمع أهل الموقف: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا مالك (خازن) النيران، ألا: إن الله ـ بمنه وكرمه وفضله وجلاله ـ قد أمرني أن أدفع مفاتيح النار إلى محمد وإن محمداً قد أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب فاشهدوا لي عليه.
فآخذ مفاتيح الجنان والنيران، يا علي فتأخذ بحجزتي(1)، وأهل بيتك يأخذون بحجزتك، وشيعتك يأخذون بحجزة أهل بيتك.
قال الإمام: فصفقت بكلتا يدي وقلت: وإلى الجنة يا رسول الله؟ قال: إي ورب الكعبة..




علي (عليه السلام) يفارق الحياة



عظم الله أجوركم بمصيبة سيدنا وإمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
فقد جمعوا له أطباء الكوفة ومن جملتهم: أثير بن عمرو بن هاني السكوني فلما نظر إلى جرح رأس الإمام طلب رئة شاة حارة فاستخرج منها عرقاً ثم نفخه ثم استخرجه، وإذا عليه بياض الدماغ كأنه قطن مندوف فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك وأوص وصيتك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك.
قال محمد بن الحنيفة: لما كانت ليلة إحدى وعشرين جمع أبي أولاده وأهل بيته وودعهم ثم قال لهم: الله خليفتي عليكم، وهو حسبي ونعم الوكيل، وأوصاهم بلزوم الإيمان..
وتزايد ولوج السم في جسده حتى نظرنا إلى قدميه وقد احمرتا جميعاً، فكبر ذلك علينا وأيسنا منه.
ثم عرضنا عليه المأكول والمشروب فأبى أن يشرب، فنظرنا إلى شفتيه يختلجان بذكر الله، ثم نادى أولاده كلهم بأسمائهم واحداً بعد واحد وجعل يودعهم وهم يبكون فقال الحسن: ما دعاك إلى هذا؟ فقال: يا بني إني رأيت جدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في منامي قبل هذه الكائنة بليلة فشكوت إليه ما أنا فيه من التذلل والأذى من هذه الأمة فقال لي: أدع عليهم فقلت: اللهم أبدلهم بي شراً مني وأبدلني بهم خيراً منهم.
فقال لي رسول الله: قد استجاب الله دعاك، سينقلك إلينا بعد ثلاث.
وقد مضت الثلاث، يا أبا محمد أوصيك ويا أبا عبد الله خيراً، فأنتما مني وأنا منكما، ثم ألتفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة (عليها السلام) وأوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن والحسين، ثم قال: أحسن الله لكم العزاء، ألا وإني منصرف عنكم وراحل في ليلتي هذه ولاحق بحبيبي محمد (صلّى الله عليه وآله) كما وعدني، فإذا أنا مت ـ يا أبا محمد ـ فغسلني وكفني وحنطني ببقية حنوط جدك رسول الله، فإنه من كافور الجنة جاء به جبرائيل إليه، ثم ضعني على سريري، ولا يتقدم أحد منكم مقدم السرير، واحملوا مؤخره، واتبعوا مقدمه، فأي موضع وضع المقدم فضعوا المؤخر، فحيث قام سريري فهو موضع قبري، ثم تقدم ـ يا أبا محمد ـ وصل علي ـ يا بني يا حسن ـ وكبر علي سبعاً، واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه: القائم المهدي من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق.
فإذا أنت صليت علي ـ يا حسن ـ فنح السرير عن موضعه ثم اكشف التراب عنه، فترى قبراً محفوراً، ولحداً مثقوباً وساجة منقوبة، فأضجعني فيها، فإذا أردت الخروج من قبري فتفقدني فإنك لا تجدني وإني لاحق بجدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأعلم يا بني: ما من نبي يموت وإن كان مدفوناً بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا ويجمع الله عز وجل بين روحيهما وجسديهما، ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره وإلى موضعه الذي حط فيه.
ثم أشرج اللحد باللبن (جمع لبنة) وأهِل التراب عليُّ ثم غيِّب قبري.
وللإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وصية أخرى هي من جلائل وصاياه أوصى بها أولاده في مثل هذه الليلة، روى الصدوق في الفقيه عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت وصية علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين أوصى إلى أبنه الحسن (عليه السلام) وأشهد على وصيته الحسين (عليه السلام) ومحمد وجميع ولده ورؤساء أهل بيته وشيعته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح ثم قال: يا بني أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ودفع إلي كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين (عليه السلام) ثم أقبل على أبنه الحسين فقال: وأمرك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تدفعه إلى ابنك علي بن الحسين ثم أقبل إلى إبنه علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: وأمرك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تدفع وصيتك إلى ابنك محمد بن علي فأقرأه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومني السلام، ثم أقبل على أبنه الحسن فقال: يا بني أنت ولي الأمر بعدي وولي الدم فإن عفوت فلك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم، ثم قال أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.
أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للأجر (للآخرة) وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.
أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي (وأهلي) ومن بلغهم كتابي هذا من المؤمنين بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم (بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم) فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وإن البغضة حالقة الدين وفساد ذات البين (وإن المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين) ولا قوة إلا بالله، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يُهوّن الله عليكم الحساب، والله الله في الأيتام لا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار، والله الله في القرآن فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في جيرانكم فإن الله ورسوله أوصيا بهم (فإنه وصية نبيكم) ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، الله الله في الصلاة! فإنها خير العمل وإنها عمود دينكم، الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم، الله الله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار، الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان: إمام هدى ومطيع له مقتد بهداه والله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثاً ولم يؤوا محدثاً فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أوصى بهم، ولعن المحدث منهم ومن غيرهم، والمؤوي للمحدث، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله في النساء وما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن قال: أوصيكم بالضعيفين: نسائكم وما ملكت أيمانكم، ثم قال: الصلاة، الصلاة، الصلاة، ولا تخافن في الله لومة لائم، يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، قولوا للناس حسناً كما أمركم الله عز وجل، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.
وعليكم بالتواصل والتباذل والتبار وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم، وأستودعكم الله خير مستودع، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
يا بني عبد المطلب: لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون: قتل أمير المؤمنين.
ألا: لا تقتلن بي إلا قاتلي انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.
هكذا ينهي الإمام (عليه السلام) أولاده عن إقامة المجازر والمذابح لأجل الطلب بدمه كما كان الأمر في قضايا عثمان، يقول: لا تقتلوا إلا قاتلي.
ينهاهم عن التحقيق عن أصل الفتنة ورجال المؤامرة وأسباب الفساد ويأمرهم بالاكتفاء بالقصاص من القاتل، ثم ينهي عن قطع أعضائه.
ثم عرق جبين الإمام فجعل يمسح العرق بيده فقالت أبنته زينب: يا أبه أراك تمسح جبينك؟ قال: يا بنية سمعت جدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إن المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته عرق جبينه وصار كاللؤلؤ الرطب، وسكن أنينه.
فقامت زينب وألقت بنفسها على صدر أبيها وقالت: يا أبه حدثتني أم أيمن بحديث كربلاء وقد أحببت أن أسمعه منك، فقال: يا بنية، الحديث كما حدثتك، أم أيمن، وكأني بك وبنساء أهلك لسبايا بهذا البلد، خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبراً..
ثم التفت الإمام إلى ولديه الحسن والحسين وقال: يا أبا محمد ويا أبا عبد الله كأني بكما وقد خرجت عليكما من بعدي الفتن من ههنا وههنا فاصبرا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة، فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه.
ثم أغمي عليه وأفاق وقال: هذا رسول الله، وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله، وكلهم يقولون: عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون، ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال: أستودعكم الله جميعاً، سددكم الله جميعاً، خليفتي عليكم الله، وكفى بالله خليفة، ثم قال: وعليكم السلام يا رسل ربي، ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون، (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)(1) .
وما زال يذكر الله، ويستشهد الشهادتين، ثم استقبل القبلة، وغمض عينيه ومدد رجليه ويديه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم قضى نحبه!! فعند ذلك صرخت زينب بنت علي وأم كلثوم وجميع نسائه وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود، وارتفعت الصيحة في القصر، فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين قد فارق الحياة، فأقبل النساء والرجال يهرعون أفواجاً، وصاحوا صيحة عظيمة فارتجت الكوفة بأهلها، وكثر البكاء والنحيب والضجيج بالكوفة وقبائلها وجميع أقصارها، فكان ذلك اليوم كاليوم الذي مات فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتغير أفق السماء، وسمع الناس أصواتاً وتسبيحاً في الهواء، واشتغلوا بالنياحة على الإمام.
ثم قام أولاده لتجهيزه ليلاً، ولما جردوه عن ثيابه، وجدوا على جسده الشريف آثار ألف جراحة من قرنه إلى قدميه وهي الجراحات التي أصابته في سبيل الله في الحروب، وكان الحسن يغسله والحسين يصب عليه الماء، وكان (عليه السلام) لا يحتاج إلى من يقلبه، بل كان يتقلّب كما يريد الغاسل يميناً وشمالاً، لأن الملائكة كانت تقلّبه وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك.
ثم نادى الحسن بأخته زينب وأم كلثوم وقال: يا أختاه هلمي بحنوط جدي رسول الله، فبادرت زينب مسرعة حتى أتته به، فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة، ولما حنطوه لفوه بخمسة أثواب ثم وضعوه على السرير وتقدم الحسن والحسين إلى السرير من مؤخره وإذا مقدمه قد ارتفع، ولا يرى حامله، وكان حاملاه جبرائيل وميكائيل، فما مر بشيء على وجه الأرض إلا انحنى له.
وضجت الكوفة بالبكاء والنحيب، وخرجت النساء خلف الجنازة لاطمات فمنعهن الحسن وردهن إلى أماكنهم، والحسين يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أنا لله وأنا إليه راجعون، يا أبتاه واإنقطاع ظهراه، من أجلك تعلمت البكاء، إلى الله المشتكى.
أمر الإمام الحسن الناس بالإنصراف، ولم يبق إلا أولاد أمير المؤمنين وعدد قليل من أخص أصحابه المعتمد عليهم، فابتعدوا عن الكوفة في جوف الليل قاصدين النجف، وإذا بمقدم السرير قد وضع، فوضع الحسن والحسين مؤخر السرير، وقام الحسن وصلى مع جماعة على أبيه فكبر سبعاً كما أمر أبوه، ثم زحزح السرير، وكشف التراب وإذا بقبر مقبور ولحد مشقوق وساجة منقورة مكتوب عليها: هذا ادخره نوح النبي للعبد الصالح الطاهر بن المطهر.
ولما أرادوا إنزاله إلى القبر سمعوا هاتفاً يقول: أنزلوه إلى التربة الطاهرة فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب، فدهش الناس من سماع الهاتف، وانتهى الدفن قبل الفجر، وأخفوا قبره كما أوصى به، لأنه (عليه السلام) كان يعلم من عداوة الخوارج والأعداء له، فقد روي في منتخب التواريخ أن الحجاج بن يوسف نبش في النجف آلاف القبور يفتش عن جثمان علي (عليه السلام) ولكنه لم يعثر عليه، ولم يزل القبر مخفياً عن الناس لا يعرف به إلا أولاد الإمام وأخصاء الشيعة إلى أيام هارون الرشيد.
قال عبد الله بن حازم: خرجنا يوماً مع الرشيد من الكوفة نتصيد فصرنا إلى ناحية الغري، فرأينا ظبيات، فأرسلنا إليها الصقور والكلاب، فحاولتها ساعة، ثم لجأت الظباء إلى الأكمة فسقطت عليها، فسقطت الصقور والكلاب، فتعجب الرشيد من ذلك ثم أن الظباء هبطت من الأكمة فسقطت الصقور والكلاب فرجعت الظباء إلى الأكمة، فتراجعت عنها الكلاب والصقور ففعلت ذلك ثلاثة، فقال هارون: أركضوا فمن لقيتموه آتوني به؟ فأتيناه بشيخ من بني أسد، فقال هارون ما هذه الأكمة؟ قال: إن جعلت لي الأمان أخبرتك! قال: لك عهد الله وميثاقه أن لا أهيجك ولا أؤذيك.
قال الشيخ حدثني أبي عن أبيه أنهم كانوا يقولون: هذه الأكمة قبر علي بن أبي طالب (عليه السلام) جعله الله حرماً لا يأوي إليه أحد إلا أمن.
فنزل هارون ودعى بماء فتوضأ وصلى عند الأكمة وتمرغ عليها وجعل يبكي، وأمر ببناء القبة على القبر، ومن ذلك اليوم لم يزل البناء في تطور وهو الآن صرح بديع متلألئ، وبناء مشيد من قبة ذهبية ومنارتين ذهبيتين، ومشهد عظيم وضريح فخم في داخله صندوق لا يثمن، والبقعة مزينة بهدايا الملوك والسلاطين على مر القرون، وقد بني المشهد على أحسن هندسة وأبدع فن معماري وأجمل نقوش يتوصل إليها الفكر البشري.
والمعلقات الموجودة والذخائر المكنونة والهدايا الثمينة لا يمكن تقديرها وتثمينها، ويقصد القبر الشريف ملايين من الناس من شرق الأرض وغربها، وكذلك الوفود والسواح من المسلمين.







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 12:48 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 07:48 AM رقم المشاركة : 3
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

فاطمـــــــــة الزهراء عليها السلام




إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أحبها فقد أحبني. فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبَيّ. فاطمة سيدة نساء العالمين.
هذه الشهادات وأمثالها تواترت في كتب الحديث والسيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتأثر بنسب أو سبب ولا تأخذه في الله لومة لائم.
مواقف من نبي الإسلام الذي ذاب في دعوته وكان للناس فيه أسوة فأصبحت خفقات قلبه ونظرات عينه ولمسات يده وخطوات سعيه وإشعاعات فكره، قوله وفعله وتقريره، وجوده كله أصبح تعاليم الدين وأحكام الله ومصابيح الهداية وسبل النجاة.
أوسمة من خاتم الرسل على صدر فاطمة الزهراء، تزداد تألقاً كلما مر الزمن وكلما تطورت المجتمعات وكلما لاحظنا المبدأ الأساس في الإسلام في كلامه لها (يا فاطمة اعملي لنفسك فإني لا أغني عنك من الله شيئاً).
فاطمة الزهراء هذه مثال المرأة التي يريدها الله وقطعة من الإسلام المجسد في محمد وقدوة في حياتها للمرأة المسلمة وللإنسان المؤمن في كل زمان ومكان.
إن معرفة فاطمة فصل من كتاب الرسالة الإلهية ودراسة حياتها محاولة لفقه الإسلام وذخيرة قيّمة للإنسان المعاصر.
إيه فاطمة.. يا ثغراً تجلّى بالعفاف فطاب رضاً به، لقد عبق خطّ وصلك ببنت عمران يا ابنة المصطفى، فتلك مريم ما فرشت الأرض إلاّ من نتف الزنابق، وأنت النفحة الزهراء، ما نفثت الطيب إلا من مناهل الكوثر.
يا بتول، يا أمّ أبيك.. لقد كانت النبوة طفلك البكر، يا ابنة الجنّة، هلاّ رسمتِ الطريق للوصول إلى عين الشمس ونبع الحياة لكي يتمكن مجتمعنا الذي يقرأ كتابك من تربية المرأة الفاطمية والرجل الفاطمي.
ليست قليلة تلك الشعلة التي التهبت بها شخصية هذه المرأة، فإن تكن سيدة نساء العالمين فمن هذا المعين تستقي، فهي ابنة نبي ربط حاضر الأجيال بماضيها، ووصلها بكل زمان يأتي، بهذه الهالة القدسية اتشحت شخصية الزهراء آخذة عن أبيها عبء مسؤولية الأجيال، فهي التي انحصر فيها أرث النبوة بكل ما حققت النبوة، بكل ما ترتبط به صفات النبوة، بكل ما ترمي إليه أشواق النبوة.
وتزوجت رجلاً كان زواجها منه تحقيقاً للمخطط العظيم وتنزيلاً لقدسية الكلمة، وكان زواجها استكمالاً لمتانة ما أنيط بها، وما كان الحسن والحسين غير نتاج هذا الرباط الذي اكتملت به المشيئة.
هكذا ارتبط التاريخ برباط، وهكذا اتشحت فاطمة بقدسية هذا الرباط، هالة اتشحت بها سيدة نساء العالمين إزاراً من نبوة، وإزاراً من أمومة، وإزاراً من إمامة.
وأخيراً هويتِ فاطمة، هوى معك الخصر النحيل، يا نحول السيف، يا نحول الرمح، يا نحول الشعاع في الشمس، يا نحول الشذا، يا نحول الإرهاف في الحس، يا ابنة المصطفى، يا ابنة ألمع جبين رفع الأرض على منكبيه واستنزل السماء على راحتيه، فهانت عليك الأرض. يا عجينة الطهر والعبير، ولم تبتسمي لها إلا بسمتين، بسمة في وجه أبيك على فراش النزاع يعِدُك بقرب الملتقى، وبسمة طاقت على ثغرك وأنت تجودين بالنفس الأخير.
وعشت الحب يا أنقى قلب لمسته عفّة الحياة، فكان لك الزوج عظيم الأنوف، لف جيدك بالدراري وفرش تحت قدميك أزغاب المكارم. وعشت الطهر يا أطهر أم أنجبت ريحانتين لفّتها بردة جديهما بوقار تخطّى العتبات وغطّى المدارج.



الاسم: فاطمة عليها السلام
اسم الأب: محمد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
اسم الأم: خديجة
تاريخ الولادة: 20 جمادي الثانية 8 سنوات قبل الهجرة
محل الولادة: مكة المكرّمة
تاريخ وفاتها : 3 جمادى الثانية السنة العاشرة للهجرة
محل دفنها: المدينة المنوره


فاطمة الزهراء عليها سلام اللّه


امرأة فاضــــــــــلة


يحسن بنا قبل البدء بقصة فاطمة عليها السلام، أن نتذكر أمّها السيدة خديجة الكبرى.
كانت خديجة من أغنى نساء عصرها، وكان الكثيرون من كبار مدينتها يتمنّون الزّواج منها، طمعاً بثروتها، لكنّها أقدمت على عملٍ ملفتٍ للأنظار، فقد اختارت محمداً الأمين زوجاً لها، من بين أعيان المدينة وأشرافها، رغم أنّه لم يكن من الأثرياء.
أثار فعل خديجة سكّان المدينة، نساءً ورجالاً، لكنّها لم تهتّم بهم، ولم ترجع عن قرارها.
لقد اختارت - في الحقيقة - أفضل الرّجال شريكاً لحياتها، لكنّ أكثر الناس كانوا يجهلون هذه الحقيقة، وكان هذا التصرف منها دليلاً على حسن إدراكها، فلا عجب إذن، أن تنشأ في أحضان امرأةٍ كخديجة، ابنة كريمة كفاطمة.


العزلـــــة


عاش محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة حياةً هادئة مطمئنّة سنين عديدة، حتى بعث صلى اللّه عليه وآله نبياً، وكانت خديجة أوّل امرأة آمنت به ودافعت عنه. ونتيجةً لذلك فقد أظهر أعيان المدينة وأشرافها عداوتهم لمحمدٍ وخديجة، وفرضوا عليهما عزلةً خانقة.
تحمّلت خديجة هذه المصاعب في سبيل اللّه ورسوله، وشاركت محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) آلامه ووحدته، وصرفت عنه من الهموم ما استطاعت، وضحّت بالكثير قربةً إلى اللّه تعالى، فكانت بحقّ زوجةً تقيّةً ورعة، تعرف اللّه حقّ معرفته، وتتوجّه إليه في كلّ شيء.


الــــــــــــــولادة


ظهرت في الأفق تباشير، آذنت بقرب انتهاء العزلة، حين شعرت خديجة بحركةٍ في أحشائها، تبشّر بوليدٍ جديد.
وفي ليلتها الأخيرة من الحمل، وآلام الولادة تشتدّ بها، بعثت إلى القوابل من قريشٍ فأبين أن يأتينها ويساعدنها.
عند ذاك وقع أمر عجيب، هو في نظر الناس عسير، لكنّه على اللّه يسير، فقد شعّ النور فجأةً في غرفة خديجة، وظهرت أربع نسوةٍ، تحيط بوجوههنّ هالات من النور، وجلسن إلى جانبها بعد أن ألقين عليها السلام، وبادرن بالقول بلطف: «لا تخافي يا خديجة، إنّنا ضيوف من عند اللّه». هدأ روع خديجة بعد خوف، وسكنت نفسها، ووسط هالةٍ من النور، وضعت وليدتها فاطمة.
سيعجب الكثيرون لو عرفوا أنّ النّسوة، لم يكنّ إلا: «سارة» زوجة إبراهيم و «آسية» زوجة فرعون و«مريم» أمّ عيسى و«كلثم» أخت موسى. لكنّ العجب العجاب هو من أولئك الذين ما زالوا يجهلون أبعاد عالم الإنسان، أو يغفلون عن قدرة اللّه الباهرة، يا ليتهم كانوا يفقهون.

نعم . . . هكذا ولدت فاطمة عليها السلام، وفي أحضان الرسول وخديجة كبرت وترعرعت. وكان لرسول اللّه غير فاطمة بنات ثلاث: رقيّة وأمّ كلثوم، اللّتان تزوّجتا من «عتبة» و «عتيبة» ولدي أبي لهب، وعاشتا زمناً مع «أمّ جميل» امرأة أبي لهب، وأخت أبي سفيان. والثالثة هي زينب، زوجة «العاص» أحد أعداء الرسول. وقد طلّقت رقيّة وأمّ كلثومٍ من زوجيهما، بأمرٍ من أبي لهب، وعادتا ليزوّجهما الرسول، الواحدة بعد الأخرى من «عثمان» حيث توفّيتا في بيته، دون أن تنجبا منه.

والابنة الوحيدة التي بقيت في بيت الرسول (ص) هي فاطمة عليها السلام، والحقّ أنّ فاطمة كانت نموذجاً آخر.
باختصارٍ نقول، إنّ فاطمة كانت بضعةً من رسول اللّه، أخذت عنه الكثير من صفاته الحميدة، ومزاياه النّادرة.
ما إن بدأت أيّام الشّدة بالزوال، وأيقن الناس من نجاح الدّعوة، حتى تهافت الكبار والأعيان، على الرسول يطلبون يد وحيدته، طمعاً بالمقام العالي، بالقرب من رسول اللّه. لكنّه كان معروفاً تمام المعرفة أنّ فاطمة هي لعليّ. فعليّ هو ابن عمّ رسول اللّه، ورفيقه ونصيره، صاحب المكانة العالية من الإيمان والعلم والتقوى.
ودارت الأيام، وادّخر القدر الواحد منهما للآخر، وشاء لهما أن يلتقيا كما يلتقي بحران كبيران. ليقدّما للعالم أطهر اللآلىء، {مرج البحرين يلتقيان . . . يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} الرحمن - 19 و 21.
في أحد الأيام، وفي جمع ضمّ عدداً من كبار المسلمين، في مسجد الرسول، دار الحديث حول فاطمة (ع) وحيدة الرسول. قال أبوبكر، وكان من بين الحضور: «لقد تقدّم الكثيرون من كبار المهاجرين والأنصار يخطبون فاطمة، لكنّ رسول اللّه لم يعطهم جواباً شافياً، وقد سمعت أنّ عليّاً لم يتقدّم لخطبتها، وأعتقد أنّه لو فعل، لما ردّ الرسول طلبه». قال سعد بن معاذ، رئيس قبيلة الأوس: )هلّموا إلى عليّ، عسانا بتوفيقٍ من اللّه، نحقّق الخير في مسعانا(
خرج الصحابة من المسجد في طلب عليّ، فوجدوه خارج المدينة، وكان يسحب ماءً من بئر قريبة بواسطة جمله، ليروي بستاناً يملكه أحد الأنصار، وهكذا كان عليّ يعمل في جلب الماء وسقاية الأرض. ولمّا رأى الصحابة قادمين نحوه، طرح معوله جانباً، ووقف ينتظر لقاءهم . بعد السلام، خاطبه أبوبكر قائلاً: «أخي يا عليّ، لقد اجتمع فيك كلّ ما يرضي اللّه والناس، وقد حان الوقت لأن تجد لك زوجة، ولعلّ فاطمة وحيدة الرسول تكون من نصيبك، لأنّ كلّ من راح يخطبها لنفسه، لم يلق من الرسول قبولاً، ويبدو لي أنّ اللّه ورسوله قد اختارا فاطمة لك أنت».
ما إن سمع عليّ هذا الكلام، حتى تحرّك في نفسه أمر كان يكتمه، ويطوي عليه قلبه. فقد كان يتمنّى التّقرّب إلى رسول اللّه بخطبة ابنته فاطمة لنفسه، غير أنّ الحياء وخلوّ يده من مهرٍ يقدّمه، كانا يمنعانه من الإقدام، لكنّه الآن عزم فتوكّل، وتوجّه إلى بيت الرسول (ص)، وصارحه بما في نفسه.
أشرق وجه الرسول لدى سماعه طلب عليٍّ وقال: «يا عليّ، قد ذكرها قبلك رجال، فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها. ولكن، على رسلك حتى أخرج إليك».
دخل النبيّ إلى ابنته وفاتحها بالأمر قائلاً: «يا فاطمة، إنّ علياً بن أبي طالب من قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقه وأحبّهم إليه، وقد ذكر عن أمرك شيئاً، فما ترين»؟ فسكتت ولم تولّ وجهاً، ولم ير فيها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كراهةً فقام وهو يقول: «اللّه أكبر، سكوتها إقرارها


درع مهر عروس


خرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حيث ترك علياً، وبادره والسّرور يعلو محيّاه قائلاً: «هل معك شيء أزوّجك به» ؟ قال عليّ: «فداك أبي وأمّي ، واللّه لا يخفى عليك من أمري شيء ، أملك سيفي ودرعي وناضحي» . (الجمل الذي ينضح ويسحب به الماء) قال النبيّ: «أمّا سيفك فلا غنى بك عنه، تجاهد به في سبيل اللّه، وتقاتل به أعداء اللّه، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكنّي قد زوّجتك بالدّرع، ورضيت بها منك، بع الدّرع وأتني بالثّمن».
باع عليّ الدّرع بأربعمائة وثمانين درهماً، وجاء بالدّراهم إلى النبي وطرحها بين يديه، وتمّ الوفاق على أن يكون ثمن الدرع صداقاً لأشرف فتاة، وأفضل أنثى في الكون، هي سيدة نساء العالمين.
قسم النبي المبلغ أثلاثاً، ثلثاً لشراء الجهاز، وثلثاً لشراء العطر والطّيب. وثلثاً تركه أمانةً عند أمّ سلمة، ثم ردّه إلى عليّ قبيل الزّفاف، ليستعين به على تهيئة الطّعام.
أعطى النبي مقداراً من المال لعمار بن ياسر وسلمان وآخرين قائلاً له: «اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها».
تمّ شراء لوازم البيت، وكانت عبارةً عن: قميصٍ بسبعة دراهم، وغطاءٍ للرأس بأربعة دراهم، ودثارٍ (ما يتغطى به النائم) من صنع خيبر، وسرير من الخشب. وفراشين من ألياف النخيل والصوف، وأربع قصاع للطعام من صنع الطائف، وغطاءٍ من الصوف، وحصيرٍ ومطحنةٍ يدوية، ووعاء للحناء، وآخر نحاسيّ، وقربة ماء وقدر للحليب، وإبريق للماء، وكوزين من الفخّار، وأشياء أخرى من هذا القبيل، جيء بها إلى الرسول فتفحصها وأعرب عن رضاه بهذا الجهاز المتواضع قائلاً: «بارك اللّه لأهل البيت».
بعد شهراجتمع لدى النبي أناس من قريش فقالوا: إنّك زوّجت علياً بمهرٍ خسيس، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما أنا زوّجت عليا، ولكن اللّه زوجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى».

ومضى شهر، وفاطمة ما تزال في بيت أبيها، أما علي، فكان بعد أدائه الصلاة مع الرسول، يمضي إلى بيته، دون أن يعود إلى الموضوع ثانية. وفي أحد الأيام التقته أم أيمن ومعها بعض النسوة، وسألته إن كان يرغب في أن تتحدث إلى النبي وتفصل موضوع الزواج معه، فرد بالإيجاب مرحباً بمسعاها. فقصدت رسول اللّه مع صاحباتها وخاطبته قائلة: يا رسول اللّه، لو أنّ خديجة باقية لقرت عينها بزفاف فاطمة، وإنّ عليا يريد أهله، فقر عين فاطمة ببعلها، واجمع شملهما، وقر عيوننا بذلك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):«فما بال علي لا يسألني ذلك»؟ قالت: الحياء منك يا رسول اللّه. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلقي إلى علي فأتيني به. وحضر علي وجلس مطرقاً نحو الأرض حياءً، فقال له: أتحب أن تدخل عليك زوجتك؟ قال: نعم، فداك أبي وأمي قال: نعم، وكرامة


مجلس العرس


طلب النبي إلى أم سلمة أن تجهز غرفة لفاطمة، كما طلب من النسوة أن يتزيّن ويزين فاطمة، فاهتمت كلّ منهن بعمل. فواحدة صففت شعرها، والثانية اهتمت بثيابها، والثالثة رشّتها بالعطور.
كما تم تحضير الطعام، فذبحت شاة وطبخت، وحسر النبي عن ذراعيه، وجعل يفرك التمر بالسمن، بمثابة الحلوى بينما أسرع علي إلى المسجد، وكان يغصّ بالمسلمين فخاطبهم بصوت عال قائلاً: أيها الناس، أجيبوا إلى وليمة فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
توجه جميع من في المسجد إلى بيت النبي، وكان عدد من لبى الدعوة يفوق عدد الذين حضروا معركة بدر قبل بضعة أيام.
بعد انقضاء قسم من الليل، وكان الضيوف قد تناولوا العشاء وغادروا البيت، التفت الرسول إلى نساء بني هاشم، ونساء المهاجرين والأنصار وطلب إليهنّ أن يمشين برفقة فاطمة، حتى يوصلنها إلى بيت علي، وأوصاهنّ بالشدو والجهر بالتكبير، محذراً إياهن من ترديد كلمات لا ترضي اللّه.


في بيت عليّ (عليه السلام


ما إن تجهز النسوة للمسير، حتى أركب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه ابنته على بغلته الشهباء، وسلم زمامها إلى سلمان الفارسي، وسار خلفهما حمزة وعقيل وجعفر، وغيرهما من أقرباء الرسول، وقد امتشقوا سيوفهم يمشون الهوينا إلى بيت علي، بينما كانت زوجات النبي، ونساء المهاجرين والأنصار، يمشين وهنّ ينشدن الأهازيج في حين قدمت كل من نساء النبي أبياتاً من الشعر، هديةً للعروس، وكانت أبيات أم سلمة هي الأفضل والأبلغ. وهكذا حتى وصل الموكب إلى بيت علي، وتعالت صيحات التكبير، وقام الرجال بمصافحة علي مباركين، ثم نادى النبي علياً إليه، وأخذ يد فاطمة ووضعها في يد علي قائلاً: «بارك اللّه في ابنة رسول اللّه». ثم دعا لهما قائلاً: «اللّهم بارك فيهما، وبارك عليهما ...وإني أعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم».
وقام أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بتقديم الهدايا إلى العروسين الجديدين. وهكذا تم زواج علي من فاطمة، بعد أيامٍ من معركة بدر، و{ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، واللّه ذو الفضل العظيم}. الحديد - الآية 21.



الحياة الزوجية



منذ ذاك، عاش علي وفاطمة في بيتهما المتواضع، عيشة ملؤها الحب والهناء، وكان النبي في كل مناسبة يزورهما ويجلس إليهما، ويوصيهما بالصبر والاستقامة، ومما قاله لابنته يوماً: «إنّ اللّه اختار من أهل الأرض رجلين، أحدهما أبوك والآخر زوجك».
كانت فاطمة زوجة صالحة، فلم تكن لتحزن إن غاب زوجها للجهاد في سبيل اللّه، وما كان أكثر غيابه كانت تهيىء له عدة الحرب ولوازم السفر. كما كانت تبث فيه الشجاعة، وتشدد من عزيمته وعدم تهيبه من الموت في سبيل اللّه. وما أحرى بكل زوجة مسلمة أن تجعل من بنت الرسول قدوةً حسنة، وأسوةً صالحة.
كانت تعيش مع علي (عليه السلام) في جو تكتنفه القداسة والنزاهة. وتحيط به عظمة الزهد وبساطة العيش، وكانت عليها السلام تعرف لزوجها مكانته العظمى، ومنزلته العليا عند اللّه تعالى، وتحترمه كما تحترم المرأة المسلمة إمامها، وتطيعه كما ينبغي، لأنّه أعز الخلق إلى رسول اللّه، وأخوه وخليفته ووصيه،
وكان علي عليه السلام يحترمها ويجلّها، لا لأنّها زوجته فقط، بل لأنها أحب الخلق إلى رسول اللّه، نورها من نوره، وصبرها من صبره، وتواضعها من تواضعه، لأنّها سيدة نساء العالمين.
لقد عاشت حياةً لا يعكرها الفقر، ولا تغيرها الفاقة (الفقر الشديد) كانت تقوم بأعمال البيت، وتطحن القمح والشعير حتى تدمى يداها الطاهرتان، وتعجن وتخبز. كانت الزوجة المسلمة المثال.
كانت إلى جانب هذا لا تنسى واجبها في الجهاد في سبيل اللّه، ففي وقعة أحد وقفت فاطمة تغسل جبين أبيها الطاهر، وتبلسم جراحات علي، لم تكن - كالكثير من النساء - تبدي أي عجز أو حزن أو بكاء أيام الشدة، لأنّها كانت امرأة عملٍ وجهادٍ، لا امرة عويلٍ وبكاء.


أجر الرسالة


في السنة الثالثة للهجرة، رزقت فاطمة ولدها البكر وأعطاه الرسول اسم «حسن»، كما رزقت ابنها الثاني في السنة التالية، وسمّي «حسيناً» أي «الحسن الصغير». وكان سرور النبي بمقدم هذين الولدين عظيماً، فقد كانا حقاً، بمثابة أجرٍ للرسالة، وتعويضٍ عن المشاق، التي تحملها رسول اللّه، في سبيل هذه الرسالة. وممّا قاله (ص) بحقهما: «الحسن والحسين، ابناي وريحانتاي، وسيدا شباب أهل الجنة».


التطهير


في أحد الأيام، وبينما كانت فاطمة وعلي والحسن والحسين في بيت أم سلمة، نزل ملاك الرحمن، وتلا هذه الآية: {إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت، ويطهّركم تطهيراً} الأحزاب - 33. ولما نزلت هذه الآية تناول النبي كساءً ودخل تحته، مع علي وفاطمة والحسن والحسين، وقال: «اللّهم إنّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي، وحامتي، لحمهم لحمي ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم ويحزنني ما يحزنهم، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم، ومحبّ لمن أحبهم، إنّهم مني وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك علي وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».
وكانت حياتهم فعلاً منزهة عن الخطأ والزّلل، وكانت خصالهم العظيمة آيةً من آيات اللّه، للناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، ولكنّ أكثر الناس لا يتفكّرون.


غضب فاطمة من غضب اللّه


من هنا كان اهتمام النبي بفاطمة، وعنايته بها، لا لكونها ابنته - والرسول أجل من أن يهتم بأحدٍ لمجرد النسب - بل لأنّها كانت إنسانةً تعرف اللّه حق معرفته، وكانت تتجلّى فيها صفات الرسول الأكرم، ولأنّ اللّه سبحانه أشار إلى أنّ فاطمة الطاهرة المطهرة، وقد بين الرسول مرّاتٍ هذه المزايا ونوّه بها، قال يوماً أمام جمع من كبار المسلمين، وكما ورد في صحيح البخاريّ: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني». وخاطبها مرّةً قائلاً: «يا فاطمة، إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».


ما بعـــــــــد الأب


شارفت الأيام السعيدة على نهايتها، إذ مرض رسول اللّه مرضاً شديداً، وما لبث أن أطبق عينيه الكريمتين وانتقل إلى جوار ربّه، وبدأت رحلة فاطمة مع المصاعب والآلام، لأنّ كل شيءٍ تغير، ومرة واحدة، بعد رحيل النبي الأكرم.
فقد عين جماعة من الصحابة أبابكر خليفة، وبايعه أكثر الناس إثر ذلك، أمّا علي عليه السلام، فكان يرى بعد ارتحال الرسول، أنّ الإسلام بحاجةٍ ماسةٍ لوحدة المسلمين ورص الصّفوف، لذا فقد اختار الصّمت، ولم يطالب بحقّه في الخلافة، حرصاً على هذه الوحدة، والتي ما يزال الإسلام بحاجةٍ إليها، وسيبقى إلى يوم الدّين.
لكنّ فاطمة عليها السلام. كانت ترى من واجبها أن تنبّه الناس إلى الخطأ الذي وقع، فقصدت مسجد أبيها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان الأنصار مجتمعين إلى الخليفة، وهناك أوضحت أمام الملإ حق الإمام عليّ (عليه السلام). وحذّرت الناس من سوء العاقبة إذا حلّت الفرقة بينهم محلّ الوحدة، التي كانت أيام رسول اللّه. فالمستقبل ينذر بشر كبير، إن اختار الناس السكوت عن الحق. كما أوضحت أنّ مزرعة «فدك» تخصّ آل الرسول، وليست ملكاً لعامة المسلمين، كما قيل، وابنة الرسول الكريم وبضعته أجلّ وأنزه من أن تستولي على ما ليس من حقّها. إنّه للعجب العجاب، أن تتّهم بنت رسول اللّه بهذه التهمة الظالمة أليست ممن طهّرهم اللّه وأذهب عنهم الرجس؟ أليست ممّن {. . . يطعمون الطّعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} (الدهر - 8).
{فبايّ حديثٍ بعده يؤمنون}؟ (الأعراف - 185).


فاطمة (عليها السلام) على فراش المرض



بعد هذه المتاعب الشديدة، ارتمت فاطمة في أحضان المرض. واختارت طريق الصمت والاعتزال، فجاء بعض نساء المهاجرين والأنصار لعيادتها، ولمّا سألنها عن حالها أجابت بعد أن حمدت اللّه وصلّت على أبيها: «أصبحت واللّه عائفةً لدنياكنّ، قاليةً لرجالكن . . . وبئس ما قدّمت لهم أنفسهم . . . وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه واللّه نكير سيفه . . وتنمّره في ذات اللّه عزّ وجل . . . {ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} {أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أم من لا يهدّي إلاّ أن يهدى، فما لكم، كيف تحكمون} ؟ (يونس - 35)
لمّا سمع الرجال قولها، جاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين، وقالوا: يا سيدة النساء، لو كان أبوالحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد ونحكم العقد لما عدلنا إلى غيره فقالت: «إليكم عني فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم».



الرسالة الأخيرة


لما اشتدت وطأة المرض على الزهراء قالت لزوجها. «يا ابن عم، إنّه قد نعيت إلي نفسي، وإنني لا أرى ما بي إلاّ أنني لاحقه بأبي ساعةً بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي». قال علي: «أوصيني بما أحببت يا بنت رسول اللّه . . . قد عزّ علي مفارقتك وفقدك . . . واللّه لقد جدّدت علي مصيبة رسول اللّه . . . أوصيني بما شئت فإنّك تجدينني وفياً، أمضي كلّ ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري». قالت: «ادفني في الليل . . . وعفّ موضع قبري، ولا تشهد جنازتي أحداً ممّن ظلمني».«يا ابن عمّ، إن أنت تزوّجت امرأةً بعدي فاجعل لها يوماً وليلة، واجعل لأولادي يوماً وليلة، يا أبا الحسن، ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين، فإنّهما بالأمس فقدا جدّهما، واليوم يفقدان أمّهما، فالويل لأمّةٍ تقتلهما وتبغضهما».
ثمّ قامت عليها السلام، فاغتسلت وتمدّدت في فراشها، وأسلمت الروح مستبشرةً بلقاء أبيها وحبيبها رسول اللّه.
وفقد الإمام بفقدها زوجةً صالحةً، وأمّاً حنوناً طاهرة، وشريكة حياةٍ، في ريعان الشباب ونضارة الحياة.
كانت هذه هي الرسالة الأخيرة للزهراء عليها السلام، وكانت بحقّ درساً بليغاً، وعبرةً للمعتبرين. فقد اختارت أن تشيع وتدفن ليلاً في قبر مجهول، كي لا يشترك في جنازتها من تلوّث بالانحراف. واختارت بعملها هذا أن تسجّل اسمها في سجل المظلومين، ليكون رمزاً للظلم والحرمان على مدى الأزمان.
علم أهل المدينة بموت بنت الرسول، فعمّ الحزن الناس، وتقاطروا إلى بيتها للصلاة عليها وتشييعها، وكم كانت صدمةً مؤلمةً لهم حين علموا أنّ دفنها قد تمّ ليلاً، بعد أن صلّى عليها عليّ ونفر من أصحابه.
وكانت هذه قصّة فاطمة (عليها السلام)


نعم . . إنّها قصة فاطمة الكبرى، فاطمة الطاهرة الزهراء.







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 10:59 AM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 08:11 AM رقم المشاركة : 4
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الحســـــــــــن بن علي بن أبى طالب عليه السلام




إنني مدعو للدخول إليك أيها السيد الكريم، وها إني أهفو إلى قلمي حتى يطيب فيقرع الباب عليك. عفو المسافات يا سيدي فإنها لا تزال هي التي تهفو إليك هفو الريح في الفضاء، وبابك لم يقفل حتى يقرع، فهو هو ذاته في صدارة المحراب، لأنك المسافة التي ليست لأن يقطع إليها، بل لأن توصل بها المسافات.
لقد نجح الجدّ العظيم في بعث الرسالة، وفي حفرها المتين في قرآن، وفي نقلها البليغ إلى الإنسان، وفي تسجيلها على لوحة الزمان، وهاهي الأجيال لا تزال موصولة به كما لا يزال هو موصولاً بالمصدر الذي به تم الاتصال.
وكنت أنت المجتبى قبل أن تبصر النور، كنت المصطفى، إنه الشوق في جدّك تتناوله الغيرة على مجهود يلزمه الدفع الطويل حتى يبقى مستمراً، يلزمه الدفع الذي لا ينتهي، فهو ليس حكراً على عمر واحد يأتيه أجل، إنما من أجل بناء الأجيال التي دون أن تصرمها الآجال، إنما هو في الحقيقة المطلقة مجهود تشبّث بحقيقة رزم الإنسان حتى ينتصر الإنسان. أما القيّم على هذا المجهود فهو الذي لا يعرضه الموت للغياب أكثر مما يبقيه في ساحة الصراع عن طريق توارث الصفات.
تلك هي العصمة أيها الإمام، جمع إليك حدودها جدّك البعيد المدى، فإذا هي لك في كنىً توافرت فيها الصفات، كأنها قنوات تستقي منها. فأنت أبو محمد، وأنت الزكي، وأنت السبط، وأنت الريحانة في الجنة، وأنت الإمام قمت أم قعدت، وأنت السيد الكريم، وأنت المجتبى.
هذا هو الإطار الذي أعدّ لأن ينزل فيه الإمام الحسن بن علي، لتكون له منه الحدود، كل الحدود، فهل صدق الزمان في سيره، وتمكن هذا الإمام من التلبية، تنفيذاً لكل ما أوكل إليه؟
نعم، الإمام الحسن، لقد عين مسبقاً لأن تنتقل إليه القيمومة وسيحاول أن يلتزم بها ما دامت له الأنباض في الحياة، وسيتركها إلى الغير مربوطة بنهج سيكون لها في مجال الديمومة.
وجاء الإمام الحسن بنهج كأنّه الابتكار، يحقن الدم بالصلح الأبيض حتى تزول الأورام، فتلتقي قدم بقدم، وحسام بحسام، حتى يكون للمجتمع العظيم قلب واحد وزند واحد يلعب بالسيف أمام الشمس وتخفق به راية الحق براية الإسلام.
لقد غاب الحسن وبقي له المنهج حتى تستقيم به مناهج الأمة في حقيقة الإسلام، أيها الإمام يا أبا محمد أيها النقي الذي مشى حافياً فوق الرماد، أيها السبط الذي ارتبطت به الأواصر، وانتهت إليه مفاصل الحقب، كأنك همزة الوصل بين ثقل وثقل، في حوملة تمتزج فيها البدايات والنهايات.
أيها الزكي الذي تحمّل لعب النار في المصهر، فطابت به خميرة الطهر، وصفا رماده.
أيها اللون الجديد المشرب بلون الورود المتدلية فوق الجدران العالية، كأنها امتداد لبحور الجنان، تشرب الكوثر بدعج العين، وتفيض بك الملامح، التهب بالصمت والوعد وفيض التمني.
وأخيراً، أيها المجتى، أيجوز لي أن أقول، إذا اختصرتك بوصف أني وصلت إليك؟
منذ زمن طويل وأنا أسعى إلى المبتغى ولم يكن لي أبداً أن ألمحك إلا بعد أن تطول إغماضة عيني، كأنك طيف تخف خطواته مع كل دغشة ندية تحلم بها المقاطع المارجة بأفواج الرياحين.
ربما يكون لي من هنا أن اكتشفت شوق جدّك العظيم إليك وهو يشمّك ويقول: أنت ريحانتي النديّة، كأنك قد ولدت شعراً في باله.



هذة نُبذة بسيطة من حياة الأمام ( الحسن بن علي بن أبي طالب ) علية السلام


بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ)(1).


مولــــــــــد النور:


مكث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مكة المكرمة فترة من الوقت كان يواجه خلالها حرباً إعلامية من قبل رجال قريش، بهدف إقامة جدار بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والمجتمع كمحاولة لفصل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اجتماعياً تحت مبررات مختلفة.
وكان من وسائل هذه الحرب القذرة بثّ الشائعات والأضاليل الباطلة والمزيفة في أوساط الرأي العام القرشي والمكّي منها: أنّ رسول الله أبتر لا عقب له ولا خلف. ولقد سرت هذه الشائعة بين المجتمع المكي ممّا ترك في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعض الحزن والتأثر.
ولكن الله سبحانه وتعالى أبطل هذه الأكذوبة، وبشّر رسوله بأن أعطاه فاطمة سيدة نساء العالمين وسيكون أبناؤه منها وهم اللذين سيشكلون امتداد الرسالة من بعده.
وفي السنة الثالثة للهجرة في ليلة النصف من شهر رمضان المبارك(2) (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، جاء الوعد الإلهي بأن ولد الإمام الحسن (عليه السلام) ممّا بعث في نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تباشير الفرح والسرور بأن حقق الله عز وجلّ وعده وبأن ردّ كيد الأعداء من مشركي مكة، ولذلك بقدر ما كان مولد الإمام الحسن (عليه السلام) يضفي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) السعادة والبشرى، كانت زعامات قريش وأقطاب مكة تعض الأنامل وتتقطع من الغيظ والحقد لفشل المؤامرة الإعلامية ضد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)..
وكانت الولادة المباركة في المدينة المنورة حيث استقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبطه الحسن سيد شباب أهل الجنة وبدا عليه الارتياح وقام من ساعته إلى بيت الصديقة فاطمة الزهراء (عليه السلام) ونادى يا أسماء أين ولدي؟ فأسرعت به أسماء بنت عميس إلى جده المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وقد لفّ الحسن (عليه السلام) في خرقة، فقدمته إلى جدّه (صلّى الله عليه وآله) فاستقبله والبشرى تلوح على وجهه، فأخذ ابنه برفق، وضمه إليه وراح يلثمه بعطفه وحنانه، ثم بدأ يقطر أذنيه بالإيمان، ويعصر في روحه آيات التكبير والتهليل، فكان غذاؤه الأول: الله أكبر.. الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.. أذّن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أذنه اليمنى ثم أقام في اليسرى، لتكون هذه الكلمات القصار، الكثيرة والكبيرة بمحتوياتها أنشودة الإمام أبي محمد الحسن (عليه السلام) في كل مراحل حياته يحاول غرسها بكل ما لديه من جهد في أعماق النفوس لتكون أنشودة الحياة جيلاً بعد جيل. وجاء الإمام علي (عليه السلام) إلى فاطمة وسألها عن اسم المولود، أجابته: ما كنت لأسبقك، فأردف عليّ (عليه السلام) قائلاً: وما كنت لأسبق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجاء الإمام علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فسأله عن اسم المولود، فأجاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! وما كنت لأسبق ربّي.
فنزل جبرائيل من السماء على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال له: إن الجليل يقرؤك السلام ويقول لك اسمه حسن، فكان كذلك. ثم عق عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضةً فكان وزنه درهمان وشيئاً،(3) وأمر فطلي رأسه طيباً، وسُنّت بذلك العقيقة والتصدّق بوزن الشعر وكنّاه (أبا محمد). ولا كنية له غيرها.



ألقـــــــــــابه:


أشهر ألقابه: التقي والزكي والسبط(4). وعرف غيرها كالسيد والمجتبى(5). والطيب والولي(6).


زوجـــــــــــاته:


تزوج (أم إسحاق) بنت طلحة بن عبيد الله، و(حفصة) بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و(هند) بنت سهيل بن عمرو، وجعدة بنت الأشعث بن قيس، وهي التي أغراها معاوية بقتله فقتله بالسم.
وقد تحدث المؤرخون عن زوجات الإمام الحسن (عليه السلام) وأكثروا ومال أكثرهم إلى المبالغة في تعدادهن مبالغة لا تعتمد على أساس معقول..(7).


أولاده:


كان له خمسة عشر ولداً ما بين ذكر وأنثى وهم: زيد، أم الحسن، أم الحسين، أمهم أم بشير بنت أبي مسعود الخزرجية. الحسن، أمه خولة بنت منصور الفزارية. عمر والقاسم وعبد الله، أمهم أم أولد. عبد الرحمن، أمه أم ولد. الحسين الملقب بالأشرم وطلحة وفاطمة أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي. أم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية، لأمهات شتى ولم يعقب منهم غير الحسن وزيد(8).


أوصــــــــــافه:


(لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الحسن بن عليّ (عليهما السلام) خلقاً وخُلقاً وهيأة وهدياً وسؤدداً).
بهذا وصفه واصفوه. وقالوا: (كان أبيض اللون مشرباً بحمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، كث اللحية، جعد الشعر ذا وفرة، كان عنقه إبريق فضة، حسن البدن، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الكراديس، دقيق المسربة، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، مليحاً من أحسن الناس وجهاً(9). أو كما قال الشاعر:

ما دب فـــي فطن الأوهام من حسنٍ = إلا وكــــان لـــه الحظ الخصوصيّ
كأنّ جبــــهته مـــــــن تحـــت طرّته = بدر يتـــــوجّه اللــــيل البهـــــيميّ
قد جلّ عن طيب أهل الأرض عنبره = ومسكه فـــــهو الطيـــب السماويّ


فالإمام الحسن (عليه السلام) حاز على صفات جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في خَلقِه وخُلُقِه حتى أن المسلمين إذا اشتاقوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) نظروا إلى ابنه الحسن (عليه السلام) يقول أبو جحيفة: رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان الحسن بن علي يشبهه)(10). ويقول أنس: (لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الحسن بن علي (عليه السلام)(11) وقد أورد الشيخ المفيد في الإرشاد أنه: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) يشبه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم ) من صدره إلى رأسه والحسين يشبهه (صلّى الله عليه وآله وسلم) من صدره إلى رجليه).
وقال أيضاً: (كان الحسن (عليه السلام) أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) خَلقاً وخُلقاً وهيأة وهدياً وسؤدداً).
وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) للحسن ذات مرة: (أشبهت خَلقي وخُلقي)(12) وقال واصل بن عطاء: (كان الحسن بن علي (عليهما السلام)، عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك)(13)


بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
.

وبعد أن أغمض الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عينيه، وارتحل عن هذا العالم، بقي أبوسفيان ومعه حزب الكفر والنّفاق على هدوئهم، فنفاقهم كان في مأمن من الافتضاح، وكان كلّ همّهم ألاّ تقع أسباب القدرة الماليّة والقدرة السياسية بين أيدي أهل البيت، وكانوا يسعون أن تبقى هذه القدرات حكراً على غيرهم، ونجح مسعاهم ذاك؛ ومن هذا القبيل استأثر معاوية بالهيمنة على دمشق وحمص وفلسطين والأردن، جمع بين يديه أسباب الثّروة والقوّة، وغدا مشهوراً في كافّة أنحاء العالم الإسلاميّ. وبعد مقتل عثمان، ومبايعة عليّ صهر الرسول وابن عمّه، وأبي الإمامين الحسنين بالخلافة، قام المنافقون وأهل الباطل، يرفعون لواء العداء وراية الخلاف من جديدٍ، وشهروا سيوفهم في وجه الإمام (ع)، في حروب الجمل وصفّين والنهروان، وكانت مناسباتٍ جمعت أعداء الإسلام وأهل الباطل، وورثة الجاهليّة، إلى جانب معاوية بن أبي سفيان.
وبين مدّ وجزر في القتال، وأخذٍ وردّ في الجدال بين عليّ (عليه السلام) ومعاوية، اجتمع نفر أوهمهم غرورهم بأنّهم قادرون على علاج ما يشكو منه الناس، وإصلاح أمور المسلمين، وقرّروا أنّ علّة ما يعاني منه المسلمون تعود إلى ثلاثيّ خطر، هو معاوية وعمرو بن العاص وعليّ، وأنّه ليس من حلّ يضمن الخلاص للمسلمين سوى القضاء على ذلك الثلاثيّ دفعةً واحدةً. ونتيجةً لتفكيرهم السّقيم استشهد الإمام (عليه السلام) ذلك القائد الورع العادل، بينما فتح الطريق واسعاً أمام الآخرين .



عهد الحسن عليه السلام

في ذلك العهد، حين كانت قيادة الناس وإدارة الأعمال بيد أعوان معاوية، تسلّم الإمام الحسن (عليه السلام) الخلافة، وكان عليه أن يواجه أسوأ القادة الذين كانوا قد تسلّموا مناصبهم في ذلك الحين، وجلّهم من بني أميّة، وقد كانوا من سنواتٍ طويلة في انتظار هذه المناصب. ليخضموا مال الله خضم الإبل نبتة الرّبيع..

كانت خلافة الإمام الحسن (عليه السلام) في ذاك العهد، تغطّي أقساماً واسعةً من العالم الإسلامي، تشمل فارس وخراسان، واليمن والحجاز، والكوفة والعراق. وكانت مناطق يسودها القلق والاضطراب، رغم أنّ أهلها يدينون له بالطّاعة.

أدرك الإمام منذ الأيّام الأولى لخلافته أن معاوية يضمر له السّوء ويستعدّ لحربه. فبعث بعددٍ من رسله إلى حكّام المدن والولايات، يطلب منهم الاستعداد والتأهّب للقتال، كما أرسل إلى معاوية كتاباً يلقي عليه فيه الحجّة، وينصحه ويبصّره بعواقب أعماله. ويبيّن فيه حقّه وجدارته بالخلافة. وأنّ الحرص على الإسلام ووحدة المسلمين يقتضي البعد عن الحرب والخصام، ويدعوه إلى أن يستجيب لدواعي العقل وفروض الطّاعة، وألاّ تأخذه العزّة بالإثم، فيورد نفسه موارد الهلاك، ويورد الأمّة الإسلامية موارد الفتنة والخلاف، ثمّ يتوعّده أخيراً بالقتال إن لم يستجب، حتّى يحكم الله بينهما . .

ولكن . . أين معاوية من هذه النّصائح؟ فالرجل لا يتطلّع إلاّ إلى الحكم والرّئاسة، ولا يتردّد - في سبيل الوصول إليهما - من الإقدام على أيّ عمل، مهما كان عمله باطلاً وبعيداً عن الحقّ. وبدلاً من أن يستجيب لنصائح الإمام، فقد أرسل جواسيسه - خفيةً - إلى الولاة والقادة - يمنّيهم بالأموال والعطايا، والجاه والمناصب، إن هم ابتعدوا عن الإمام ووقفوا إلى جانبه هو.

قبل الكثيرون من أعيان تلك الأيّام عروض معاوية وإغراءاته، ونقضوا عهودهم مع الإمام الشرعيّ، وانضمّ بعضهم علناً إلى معسكر معاوية، كما عرض عليه بعضهم الآخر أن يلقوا القبض على الإمام ويرسلوه إليه أسيراً لكنّ معاوية الدّاهية المخادع، طلب إليهم أن يبقوا كما هم عليه، حتى إذا اندلع القتال، انقلبوا على الإمام وخذلوه.

ومضت شهور . . اشترى معاوية خلالها بأمواله وهداياه كثيراً من زعماء القبائل، ممّن اعتاد على قبول الأموال والرّشاوي، وممّن هو على استعداد لبيع نفسه ودينه وضميره بثمنٍ بخسٍ. لقد أدرك أولئك الزّعماء أنّ طريق الإمام هو طريق أبيه أميرالمؤمنين عليهما السلام، وأنّ الطريق الآخر هو طريق المغانم والكسب الوفير، فاختاروه، وباعوا دينهم بدنياهم، وبأبخس الأثمان !!



الخيار بين الدين والدنيا


تحرّك معاوية بجيش كبيرٍ نحو الكوفة معقل الإمام (عليه السلام). وكان الإمام يسعى بدوره لدفع الكوفة إلى الجهاد، ويلقى في سعيه العناء والتعب، لأنّ القليلين كانوا على استعدادٍ لذلك، وكانوا فرقاً لكلّ منهم رأي مختلف، وإنّ جيشاً يجري تجميعه من مثل هؤلاء، لهو جيش عاجز عن خوض حربٍ جدّيّةٍ وجهاد صادقٍ.
عيّن الإمام (عليه السلام) ابن عمّه عبيد الله بن عبّاسٍ لقيادة جيشه، ونحن نعلم أنّ عبيد الله هو من قريش، يعرفه جميع قادة الجيش وزعماء القبائل ويحترمونه ويطيعون أوامره. وكان من أوائل الذين بايعوا الإمام الحسن (ع)، بالإضافة إلى أنّ قلبه كان يطفح كرهاً وعداوةً لمعاوية، الذي قتل أبناءه . .

بعث الإمام بعبيد الله على رأس جيشٍ من اثني عشر ألفاً نحو معاوية، بينما توجّه هو بجيش كبير نحو المدائن، وأقام معسكره هناك؛ كجزءٍ من خطّةٍ للتّغلّب على جيوش معاوية الجرّارة . .
لم يكن معاوية قد نسي مرارة حرب صفّين، ولا تزال ذكرى سيوف أصحاب عليّ (عليه السلام) تصيبه بالارتجاف؛ لذا فقد صمّم على أن يتوسّل الحيلة والخداع في حربه هذه؛ فأرسل موفداً إلى عبيد الله خفية يعرض عليه ألف ألف درهمٍ (مليون درهم)، إن قبل أن ينفض يديه من هذه الحرب، على أن يدفع له نصف المبلغ في معسكره إذا أتى إليه، والنصف الآخر في الكوفة.
بقي عبيد الله أيّاماً وهو حائر في أمره، فهو يعلم أنّ قلّةً من الناس قد استجابوا لدعوة الإمام، بينما يقود معاوية جيشاً لجباً، وتصوّر أنّ جيش معاوية سينتصر لا محالة، فلم التردّد؟ والعرض فيه إغراء كبير؟
صمّم عبيد الله أخيراً، واتّخذ قراراً ملؤه الخجل والعار؛ وفي منتصف تلك الليلة. انسحب مع مجموعةٍ من أعيان الجيش وقادته نحو معسكر معاوية . . لقد اختار أن يبيع الله ورسوله وإمامه ودينه بثمنٍ رخيصٍ، وأن يفوز بوصمة عارٍ لن تفارقه إلى الأبد . .
اجتمع الناس لصلاة الصّبح. وانتظروا عبيد الله كي يؤمّهم في الصلاة، حيث من المقرّر أن ينطلقوا بعد الصلاة إلى القتال. لكنّ انتظارهم ذهب عبثاً، فعبيد الله لم يحضر إلى الصلاة . . ثم عرفوا الحقيقة إذ سمعوا منادياً من معسكر أهل الشام يقول: أيّها الناس؛ تفرّقوا وعودا إلى بيوتكم، فإنّ عبيد الله وأنصاره في معسكر معاوية، وقد اختاروا الصّلح على الحرب، فلا خير في قتال الإخوة.
كان عبيد الله الرجل الأوّل بعد الإمام في إمرة الجيش. وكانت خيانة هذا الرجل «الكبير» وهذا «الفقيه» المعروف، باعثاً على تخاذل الكثيرين، كما خدعٍ آخرون بدعوة السلام الكاذبة، وشرعوا يتفرّقون كلّ في اتّجاهٍ.
أحسّ جماعة من أنصار الإمام المخلصين بالخدعة، وحاولوا إعادة المتخاذلين ولمّ الصّفوف، لكنّ محاولتهم باءت بالفشل. وبقيت قلّة صادقة الإيمان ثابتةً في موقفها، وقد نذر أفرادها أنفسهم للموت في سبيل الحقّ، وأرسلوا إلى الإمام يطلبون إمدادهم بالرّجال.
كان الفارّون والمتخاذلون يتّجهون نحو المدائن، وينشرون في طريقهم أخباراً كاذبةً مفادها أنّ جيش معاوية قد انتصر على طليعة جيش الإمام، وغدت هذه الأنباء عذراً لأولئك الذين خرجوا مع الإمام، رياءً وعلى كرهٍ منهم، وحجّةً تذرّعوا بها في تخاذلهم وعودتهم إلي الكوفة. إنّ القصّة تعيد نفسها، قصّة الخوارج مع أميرالمؤمنين (ع)، قصّة أولئك الذين يخذلون إمام زمانهم، لا بل يقتلونه، فواعجباً يدّعون أنّهم حماة الإسلام والحقّ، ثمّ يفتحون الطريق واسعاً أمام أعداء الإسلام والحقّ
القصّة تعيد نفسها اليوم . . في صورة امتحانٍ كبير، يتمّ فيه الفرز جيّداً، فالمنافقون ضعاف النفوس عادوا أذلّةً إلى بيوتهم، والأصحاب الأوفياء الصادقون ثبتوا في مواقعهم آباةً أعزّة، وطريق الشهادة أمامهم واضح مستقيم لا عوج فيه. وكان خيارا صعب لم يبق أمام الإمام الآن غير طريقين لا ثالث لهما، فإمّا القتال والتّضحية بأولئك الأوفياء المخلصين، وإمّا الرّضوخ لشروط الصلح، والصبر على الألم، طريق صعب . . لكنّ فيه خلاصاً لأولئك الأصحاب البررة من قتل لا طائل تحته، واختار عليه السلام وقف القتال على شروطٍ، اختار بقيّة عليّ ما اختاره أبوه - عليهما السلام - قبل خمس وعشرين سنةً، ونفض يديه - مكرهاً - من الاحتكام إلى القتال.
كان هذا اليوم - والحقّ يقال - أكثر أيّام المسلمين خيبةً ومرارةً، كان من السّهل اليسير على الإمام أن يأمر بمتابعة القتال، فيقاتل مع أصحابه حتى يقتلوا، إنّه ابن عليّ عليهما السلام، وليس هو بالذي يخشى الموت، لكنّه كان يدرك جيّداً أنّه لن يقتل حتى يتقدّمه أهله جميعاً إلى القتل، وأنّ أهله أيضاً لن يقتلوا حتى يسبقهم إلى الموت أنصارهم، دون أن تكون بقتلهم الفائدة المرجوّة في توعية المسلمين، لأنّ حقيقة الخلاف بين الحسن ومعاوية كانت ما تزال خافيةً على الكثيرين؛ وهذا هو عين ما كان معاوية يريده ويتمنّاه، كان طيلة حكمه في الشّام يدّعي ويوهم النّاس بأنّه حامي حمى الإسلام، وكان الناس يصدّقون ذلك، لأنّهم لم يكونوا قد كشفوا بعد خيانته للإسلام والمسلمين، وأنّه إنّما يرمي إلى تأمين مصالحه ومصالح عائلته، متوسّلاً بحمايته للإسلام في سبيل ذلك. هذه هي حقيقة الخلاف بين الرّجلين، فإذا قتل الحسن اليوم فلن يعرف الناس الحقيقة.
وهكذا . . وفي أكثر أيّام المسلمين ظلاماً، وحيث لم تكن - حتّى دماء الشهداء - لتجدي نفعاً في إيقاظ الأمّة من سباتها، قبل الإمام الحسن (عليه السلام) الصلح، وأعطى فرصةً ليومٍ آخر سيأتي . . يوم سيكتشف الناس فيه حقيقة معاوية، وحقيقة الخلاف، فيهبّوا عندها للقتال وللشهادة، بعد أن يكونوا قد عرفوا الحقيقة . .
قبل الإمام الصّلح بعد أن أخذ من معاوية عهداً اعترف فيه هذا بكثير من الحقائق التي كانت سبباً في وعي الناس وإدراكهم، وهذا ما كان يرمي إليه الحسن (عليه السلام)، وقد تعهّد معاوية بألاّ يعيّن وليّاً لعهده، فليس ذلك من حقّه، وأن يدع الشيعة وشأنهم فلا يتعرض لهم بقتلٍ أو أذيّةٍ، وأن يمنع أعوانه من شتم أميرالمؤمنين (عليه السلام)، وأن يدفع للحسن الخراج الذي هو حقّ له، وأمور غيرها . . تمّ الاتّفاق والتوقيع عليها، وتوقّف القتال، وعاد الإمام وأهله وأصحابه إلى الكوفة.
أحسّ أصحاب الحسن (عليه السلام) بالخيبة والخذلان، حتى تمنّى بعضهم أن لو تخطّفه الموت ولم ير هذا اليوم، واحتجّ الكثيرون على قبول الإمام بالصّلح ، وصدرت عن بعضهم أقوال غير لائقةٍ ، أمّا الحسين (عليه السلام) فقد كان الوحيد الذي تقبّل هذا الصّلح ولم يعترض عليه قطّ، مسلمّاً بحكم أخيه الإمام (عليه السلام)، وراضياً بصواب تصرّفه.
الحقيقة أنّ الكثيرين لم يلتفتوا إلى أمر هامّ، وهو أنّ معارضتهم للإمام هي في حكم معارضتهم للقرآن الكريم، الذي يعرّفنا بعصمة أهل البيت عليهم السلام، وأنّ ما يقرّرونه من صلح أو حربٍ أو أمرٍ أو نهيٍ، فهو أمور مبرمة مقدّسة. وأنّ اعتراضهم هو ردّ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول: الحسن والحسين إمامان إن قاما وان قعدا». لكنّ الناس يتسرّعون بالحكم دون رويّةٍ أو تفكيرٍ.
توجّه معاوية بعد ظفره نحو الكوفة، معقل أميرالمؤمنين وأصحابه، وهناك وقف على منبر مسجدها الكبير، يملأ الغرور أعطافه، وشرع يتناول أصحاب عليّ (عليه السلام) بكلامٍ بذيءٍ غير لائق، ثمّ تناول بتقريعه رؤساء القبائل، فغدر بهم بعد أن كان قد أبرم معهم المواثيق، وصار يحدّدهم بالاسم والإشارة، وخلّفهم في وضعٍ فاضحٍ ذليلٍ، لا يحسدون عليه.
وهذه هي عاقبة الخيانة على أيّ حالٍ، فالذّين أقدموا على خيانة الإمام (عليه السلام) لم يظفروا حتّى بعطفٍ بائسٍ من معاوية. توجّه الإمام وأهله بعد هذه الأحداث نحو يثرب، حيث استقرّوا هناك، وتسلّم بنو أميّة حكم الكوفة، وفي مكان عليّ وعلى منبره حلّ زياد ابن أبيه ومن بعده ابنه، واضطرّ أولئك الذين كانوا ينتحلون الأعذار لتبرير مواقفهم من حكم أميرالمؤمنين عليّ (عليه السلام)، ورفضوا قبول حكم العدل والتقوى من ابنه بعده، اضطرّوا لأن يحنوا هاماتهم تحت سيوفٍ ملطّخة بالدّماء، وعرفوا - ولكن متأخّرين - قدر النّصائح التي رفضوها، كما عرفوا أيّ بلاءٍ جلبوه لأنفسهم، وندموا على ما قدّمته أيديهم، لكنّ الندّم المتأخّر لا خير فيه.
كان أولئك المنحرفون يعلنون العصيان باستمرارٍ، ولأسباب وأعذارٍ واهيةٍ، طيلة خمس سنواتٍ من حكم الإمام عليّ (عليه السلام) وبضعة شهورٍ من حكم ابنه الحسن. لكنّهم الآن قعدوا يلعقون جراحهم، وتركوا لمعاوية الحبل على غاربه، يفعل ما يشاء، دون أن يزعجوه بحرفٍ أو يعترضوه بكلمةٍ، فلا طلحة ولا ***ر بينهم يرفعان لواء التمرّد والعصيان، ولا خوارج يثيرونها فتنةً هوجاء عمياء، أمّا المنافقون فحدّث عنهم ولا حرج. في تلك الفترة السّوداء الكالحة من التاريخ، كان أصحاب عليّ فقط، هم الذين تصدّوا وحدهم لحكم الطّغيان، وقدّموا أرواحهم في هذا السبيل، أمّا الأجراء أصحاب الجعالات، فقد زحفوا على وجوههم وبطونهم، ينثرون المديح للحكّام دون أن ينسوا علياً عليه السلام من سبابهم وشتائمهم، والكلام الذي لا يصدر إلاّ عن أمثالهم.
كم هو يسير أن يقف المؤمنون في وجه جبابرة التاريخ، غير أنّ الوقوف في وجه «معبودٍ» أجمع الكثيرون على «عبادته» فأمر فوق الطّاقة




نقض العهد


وأخيراً . . وحين أدرك معاوية اقتراب أجله، خشي أن تنتقل الخلافة بعده إلى الحسن، فتضيع جهوده التي أفنى عمره في سبيلها، ويعود أهل البيت إلى حقهم، وهنا الطّامّة الكبرى، فعزم على دسّ السمّ للإمام الحسن (عليه السلام)، ونفّذ ما عزم عليه، وقضى على الإمام مسموماً بيد زوجته، متنكّراً لكلّ عهدٍ أبرمه أو ميثاق أقسم عليه، وغمر الفرح باستشهاد الإمام قلب مروان عدوّ الله وعدوّ نبيّه، وقلوب كثيرين غيره، فلم يخجلوا من رشق تابوته بنبالهم عند تشييعه عليه السلام.

انصرف معاوية بعد ذلك إلى إكمال خطّته، فأخذ البيعة لابنه يزيد شارب الخمر، من أهل الشّام أوّلاً، ثم من أهل مكّة والمدينة، فضمن بذلك استمرار حكم بني أميّة، دون أن يجد من آل طلحة وال***ر من يرفع في وجهه راية «الجهاد».

ألا ما أشبه اليوم بالأمس، فقد حال النّاس دون الإمام وحقّه اليوم، كما فعلوا مع أبيه بالأمس. وقطفوا - في الحالتين - ثمار عملهم ذلاً وخذلاناً. لقد بذل الحسن (عليه السلام) جهده في إرشادهم وتوعيتهم، لكنّه كان يعي حقيقة قوله تعالى مخاطباً رسوله الكريم: {إنّك لا تهدي من أحببت، ولكنّ الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين}. كان يعلم أنّ للرّسول مهمّةً يؤدّيها، وهي إبلاغ رسالة ربّه إلى الناس، أحبّوا أن يؤمنوا بها أم لم يحبّوا، وكذلك فللإمام مهمّته أيضاً، وهي أن يرعى استمرار سيرة الرسول، ويحفظ الإسلام ويصونه بما يراه مناسباً، وهذا ما فعله عليه السلام، فقد سلك سبيلاً كشف للناس ما كان خافياً عليهم من حقائق، وبيّن للجميع أنّ الخطر على الإسلام يكمن في انخداع النّاس بالمظاهر الكاذبة للحكّام والقادة، الذين يتظاهرون بالإسلام، ويبطنون غير ما يبدون، وعلّمهم أنّ صون الإسلام وصون وحدة المسلمين أمر يقتضي منهم الصّبر الجميل، كما صبر هو كثيراً على هضم حقّه، وصبر على ظلم بعض أصحابه له حين خاطبوه بقولهم: يا مذلّ المؤمنين لقد صبر وهو يعلم أنّ صبره إنّما هو في سبيل الله وعزّة المسلمين، فلا ضير فيه طالما أنّه يغرس بذور الثّورة على الظلم، ثورة أخيه الحسين، لقد كان عهده وصلحه جزءاً من ثورة الحسين، وحقّ فيه وفي أخيه عليهما السلام قول جدّهما الرسول الأمين صلّى الله عليه وآله وسلم:
«الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا»


من حكمته البالغة :



1- المزاح يأكل الهيبة . وقد أكثر من الهيبة الصامت .
2- المسؤول حرّ حتى يَعِدّ ومسترق بالوعد حتى ينجز .
3- اليقين معاذ السلامة .
4- رأس العقل معاشرة الناس بالجميل .
5- القريب من قرَّبته المودة وإن بعد نسبه ، والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه . فلا شيء أقرب من يد إلى جسد ، وإن اليد تفل فتقطع وتحسم .
6- الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود .


لئن ساءنـي الدنيـا عزمــتُ تَصَبُّــراً =و كلُّ بــــــلاءٍ لا يــــــــدوم يســيــــرُ
و إن سرّني لــم أبتــــــهــج بسـروره =و كـــــلّ ســرورٍ لا يـدوم حـــقـــــيـرُ
يــا أهــلَ لــذاتِ دنيـاً لا بقـاء لهــــــا =إنَّ المقـــــــامَ بظــلّ زائلٍ حَمـــــــــَقُ
لكسرة من خسيــس الخـبـز تُشبعني =وشربــة مـن قـراح الماء تكـفيـــنــي
وطرة مــن دقيــق الثــوب تسـتــرني = حيّــاً وإن مـت تكفيني لتكفــيــــــــنـي
إذا مــا أتــانــي سائـل قلت مرحبـاً =بمَن فـضلــهُ فــرضٌ عـــلـيّ معجـــلُ
ومـن فضلـه فضــلٌ علــى كلِّ فاضــلِ =و أفضـلُ أيــــامِ الفتـى حيــن يُسألُ





مكارم الأخلاق


أ - العابد الزاهد :

1- حجَّ الإمام الحسن (عليه السلام) خمساً وعشرين مرةً ماشياً ، والنجائب تقاد من بين يديه . وكلما مرَّت به طائفة صعقت وخفت بالنزول إجلالاً لسموِّه وكبير مكانته . فلم يزل حتى يعدل بطريقه عن الشارع العام ، ليبلغ في تذلله للخالق كلّ مبلغ .
2- وكان إذا ذكر اللـه عزَّ وجلَّ بكى ، وإذا سُمِّي لديه القبر بكى ، وإذا قيل في البعث شيء بكى ، وإذا ذُكِّر بالصراط في المعاد بكى . وأما إذا ذُكر لديه العَرض الأكبر إذ الخلائق بين يدَي اللـه القدير ، كلٌ ينظر في شأنه ، ولهم شؤون تغنيهم عن الآخرين ، فهناك شهق شهقة وغشي عليه خوفاً وذعراً .
أما إذا حدَّث بالجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، وسأل اللـه الجنة واستعاذ به من النار .
وإذا توضـــأ فإنه كان يصفرُّ لونُه وترتعدُ فرائصُه ، فإذا قام إلى الصلاة اشتد اصفرار لونه وارتعاد فرائصـه .
3- وأما أمواله فقد قاسَمَ اللـه فيها ثلاثَ مرات ، نصفاً بذل ونصفاً أبقى . وقد خرج من ماله كله مرتين في سبيل اللـه ، فلم يبقَ له شيء إلا أعطاه في سبيل اللـه .
4- ولا تمر عليه حال من الأحوال إلاّ ذكر اللـه عزّ وجلّ رغَباً ورهَباً .
5- أما ما قال فيه معاصروه ، فقد قالوا : وكان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم بالدنيا .
ولقد أفرد بعض الكتّاب الأولين ، موضوع زهد الإمام الحسن (عليه السلام) في مجلد خاص ، مثل محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفي سنة 381 في كتابه (كتاب زهد الحسن عليه السلام) .


ب - المهيب الحبيب :

1- قال واصفوه : ما رآه أحد إلاّ هابه ، وما خالطه إنسان إلاّ أحبّه ، ولا سمعه عدوٌ له أو صديقٌ خاطباً فاجترأ عليه بالتكلم واللغو . وقالوا في شمائله أيضاً : لم يكن أحد أشبه برسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحسن بن علي (عليه السلام) ، خلقاً وخُلقاً وهيئة وهدياً وسؤدداً .
وقالــوا كذلك : كــان أبيــض اللــــون مُشْربــاً بحمــرة ، أدعــج العينيــن(1) سهـــل الخدَّيــــن(2) كَثَّ اللحية(3) جَعْد الشعر(4) كأنَّ عنقه إبريق فضة ، حسن البدن ، بعيد ما بين المنكبَين ، عظيم الكراديس(5) رقيق المرية(6) ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير ، مليحاً من أحسن الناس وجهاً .
2- كـــان الإمام (عليه السلام) ، محبوباً لدى الجميع ، يكرمه البعيد والقريب سواء ، ومن مظاهر محبوبيته العامة ، أنه كان يفرش له بباب داره في المدينة ، يجلس يقضي حوائج الناس ويحل مشاكلهم ، فكلّ من يمرّ به يقف هنيئة يسمع حديثه ، ويرى شمائله ويتزود بها من شمائل الرسول الأكرم وملامحه (ص) ، فلا يزال حتى ينسد الطريق دون المّارة . فإذا عرف الإمام ذلك قام ودخل لكي لا يسبب قطع الطريق .
3- وقال فيه محمد بن إسحاق : ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول اللـه (ص) ، ما بلغ الحسن بن علي .
4- وقال فيه ال***ر : واللـه ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي .
5- وكان ابن عباس يأخذ بركاب الحسن والحسين على عادة من يريد أن يبالغ في تواضعه إلى أحد ، ويعرف الناس مدى خضوعه لسموِّه ، فإنه كان يقود له الراحلة كالذي يُستأجر لذلك بالمال . فكان ابن عباس يصنع ذلك للحسين ، فرآه ذات مرة مدرك بن زياد ، فاندهش إذ رأى شيخ المفسرين يصنع هذا الإكرام بالحسين ، فقال أنت أسنّ منهما تُمسك لهما بالركاب . فصاح ابن عباس في وجهه : يالكع !! وما تدري من هذان ؟. هذان ابنا رسول اللـه . أوليس مما أنعم اللـه عليّ به أن أُمسك لهما وأسوِّي عليهما ؟.
6- وقد سبق أنَّه إذا امتطى الصحراء إلى مكة ماشياً ، ورآه ملأ من المسلمين نزلوا يمشون إلى جنبه ولا يركبون حتى يعدل عنهم .


ج - الجواد الكريم :

1- أتاه رجل يطلب حاجة وهو يستحيي من الحاضرين أن يفصح عنها ، فقال له الإمام : اكتب حاجتك في رقعة وارفعها إلينا . فكتب الرجل حاجته ورفعها . فضاعفها له الإمام مرتين ، وأعطاه في تواضع كبير .
فقال له بعض الشاهدين ما كان أعظم بركة الرقعة عليه ، يابن رسول اللـه !. فقال : بركتها إلينا أعظم حين جعلنا للمعروف أهلاً ، أما علمت : إن المعروف ما كان ابتداءً من غير مسألة . فأمَّا مَن أعطيته بعد مسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه . وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقا ، يميل بين اليأس والرجاء ليعلم بما يرجع من حاجته أبكآبة ردّ ، أم بسرور النجح ، فيأتيك وفرائصه ترعد ، وقلبه خائف يخفق ، فإن قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه فإن ذلك أعظم مما ناله من معروفك .
2- وجاءه رجل يسأل معروفاً، فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار، وقال له : إئت بحمّال لك، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وقال هذا كرى الحمّال .
3- وجاءه أعرابي يريد أن يسأله حاجة ، فقال الإمام لمن حوله : أعطوه ما في الخزينة . فوجد فيها عشرون ألف درهم ، فدفعت إليه قبل أن يسأل . فاندهش الأعرابي وقال : يا مولاي ألاّ تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي ، فأنشأ الإمام يقول:
نحـــــنُ أنـــاسٌ نـــــوالـــنـــــا خضـــلٌ = يرتـــعُ فــــيـــه الــــرجــــاءُ والأمــــلُ
تــجـــــودُ قبـــلَ الســؤالِ أنــفسُنــــــــا =خوفاً علــــى مــــاء وجْــــهِ مَن يَســَلُ

4- وحجّ ذات سنة هو وأخوه الإمام الحسين (عليه السلام) ، وعبد اللـه بن جعفر ، ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا ، فرأوا عجوزاً في خباء فاستسقوها فقالت هذه الشويهة ، أحلبوها واستطعموها ، فذبحت لهم شاتها وشوتها ، فلما طعموا قالوا لها : نحن نفر من قريش ، نريد هذا الوجه ، فإذا عدنا فَمُرِّي بنا ، فإنا صانعون بك خيراً . ثم مضت بها الأيام وأضرت بها الحال ، فرحلت حتى وصلت المدينة المنورة . فرآها الحسن (عليه السلام) ، فعرفها فقال لها : أتعرفينني ؟. قالت : لا . قال : أنا ضيفك يوم كذا وكذا . فأمر لها بألف شاة وألف دينار ، وبعث بها إلى الحسين (ع) ، فأعطاها مثل ذلك ثم بعثها إلى عبد اللـه بن جعفر ، فأعطاها مثل ذلك .
5- وتنازع رجلان ، هذا أموي يقول : قومي أسمح ، وهذا هاشمي يقول : بل قومي أسمح .
فقال أحدهما : فاسألْ أنت عشرة من قومك ، وأنا أسأل عشرة من قومي ، يريد أن يسأل كلٌّ عطاء عشرة من قومه ، فينظروا أيّ القومين أسخى وأسمح يداً . ثم إذا عرفوا ذلك أرجع كلّ منهما الأموال إلى أهلها ، كلّ ذلك شريطة أن لا يخبرا من يسألاه بالأمر .
فانطلق صاحب بني أمية فسأل عشرة من قومه فأعطاه كلّ واحد منهم ألف درهم . وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي فأمر له بمائة وخمسين ألف درهم ، ثم أتى الحسين فقال : هل بدأت بأحد قبلي ؟ قال : بدأت بالحسن ، قال : ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئاً ، فأعطاه مائة وخمسين ألفاً من الدراهم ، فجاء صاحب بني أمية يحمل عشرة آلاف درهم من عشرة أنفس وجاء صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسَين ، فغضب صاحب بني أمية ، حيث رأى فشله في مبادراته القبلية.
فردّ الأول حسب الشرط ما كان قد أخذه من بني أمية فقبلوه فَرحِين ، وجاء صاحب بني هاشم الحسن والحسين يردّ عليهما أموالهما فأبيا أن يقبلاهما قائلين : ما نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق .


د - المتواضع الحليم :

1- مرّ بطائفة من الفقراء جلوساً على كسيرات من الرغيف يأكلونها ، فلما رأوا موكب الإمام قاموا إليه ، ودعــــوه إلى طعامهم قائلين هلّم يابن رسول اللـه إلى الغداء ، فنزل وهو يقول : “ إن اللــه لايحب المتكبريــــن “ وجعل يأكل معهم ثم دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم .
2- وعصفت به ظروف عصيبة أن لو مرت على الجبال لتدكدكت ، وازدحمت فوق كتفيه مسؤوليات عظيمة فاضطلع بها وتغلب على صعابها في حلم وأناة ، مما دفع أشدّ الناس عداوة له - وهو مروان - إلى أن يقول : كان من حلمه ما يوازن به الجبال . وكانت صفة الحلم أبرز سماته (عليه السلام) ، حيث كان يشبّه فيها بالنبي (ص) .





التشييع :


وقامت المدينة المنورة لتشيع جثمان ابن بنت رسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم يزل ساهراً على مصالحهم قائماً بها أبداً . وجاء موكب التشييع يحمل جثمانه الطاهر إلى الحرم النبويِّ ليدفنوه عند الرسول ، أو ليجددوا العهد معه على ما كان قد وصَّى به الإمام ، فركبت عائشة بغلة شهباء واستنفرت بني أمية وجاؤوا إلى الموكب الحافل بالمهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر الجماهير المؤمنة الثاوية في المدينة ، فقالت عائشة تصيح : يا رُبَّ هيجاء هي خير من دعة !. أيُدفن عثمان بأقصى المدينة ويدفن الحسن عند جدِّه .
ثم صرخت في الهاشميين ، نحّوا ابنكم واذهبوا به فإنكم قوم خصمون ..
ولولا وصية من الحسن (عليه السلام) بالغة على الحسين (عليه السلام) ، أَلاَّ يُراق في تشييعه ملء محجمةِ دمٍ ، لَمَا ترك بنو هاشم لبني أمية في ذلك اليوم كياناً . ولولا أن الحسين نادى فيهم : اللـه اللـه يا بني هاشم ، لا تضيّعوا وصية أخي ، واعدلوا به إلى البقيع ، فإنه أقسم عليَّ ان أنا مُنعت من دفنه عند جدِّه إذاً لا أُخاصم فيه أحداً ، وأن أدفنه في البقيع مع أُمّه . هذا ، وقبل أن يعدلوا بالجثمان ، كانت سهام بني أمية قد تواترت على جثمان السبط وأخذت سبعين سهماً مأخذها منه .
فراحوا إلى البقيع وقد اكتظ بالناس فدفنوه حيث الآن يُزار مرقده الشريف .
وهكذا عاش السبط الأكبر لرسول اللـه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نقياً طاهراً مقهوراً مهتضماً ، ومضى شهيداً مظلوماً محتسباً ، فسلام اللـه عليه ما بقي الليل والنهار
.







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 11:35 AM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 08:42 AM رقم المشاركة : 5
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الحســــــــــــــين بن علي بن أبى طالب عليه السلام


قلة هم أولئك الذين يتسنّمون قمم الخلود والسمو والعظمة، وقلة هم أولئك الذين ينفصلون عن آخر الزمان والمكان. ليكونوا ملكاً للحياة والإنسان.
أولئك القلة هم عظماء الحياة، وأبطال الإنسانية، ولذلك تبقى مسيرة الحياة، ومسيرة الإنسان، مشدودة الخطى نحوهم، وما أروع الشموخ والسمو والعظمة، إذا كان شموخاً وسمواً وعظمة، صنعه إيمان بالله، وصاغته عقيدة السماء.
من هنا كان الخلود حقيقة حية لرسالات السماء، ولرسل السماء، ورجالات المبدأ والعقيدة... وفي دنيا الإسلام، تاريخ مشرق نابض بالخلود... وفي دنيا الإسلام، قمم من رجال صنعوا العظمة في تاريخ الإنسانية، وسكبوا النور في دروب البشرية.
وإذا كان للتاريخ أن يقف وقفة إجلال أمام أروع أمثولة للشموخ... وإذا كان للدنيا أن تكبر لأروع تضحية سجلها تاريخ الفداء... وإذا كان للإنسانية أن تنحني في خشوع أمام أروع أمثولة للبطولة... فشموخ الحسين وتضحية الحسين، وبطولة الحسين، أروع أمثلة شهدها تاريخ الشموخ والتضحيات والبطولات.
الحسين بن علي (عليه السلام) قمة من قمم الإنسانية الشامخة، وعملاق من عمالة البطولة والفداء.
فالفكر يتعثر وينهزم، واليراع يتلكأ ويقف أمام إنسان فذّ كبير كالإمام الحسين، وأمام وجود هائل من التألق والإشراق، كوجود الحسين... وأمام إيمان حي نابض، كإيمان الحسين... وأمام سمو شامخ عملاق كسمو الحسين... وأمام حياة زاهرة بالفيض والعطاء كحياة الحسين..
إننا لا يمكن أن نلج آفاق العظمة عند الإمام الحسين، إلا بمقدار ما نملك من بعد في القصور، وانكشاف في الرؤية، وسمو في الروح والذات... فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأطر، كلما كان الانفتاح على آفاق العظمة في حياة الإمام الحسين أكثر وضوحاً، وأبعد عمقاً... فلا يمكن أن نعيش العطاء الحي لفيوضات الحسين، ولا يمكن أن تغمرنا العبقات النديّة، والأشذاء الرويّة، لنسمات الحياة تنساب من أفق الحسين.
ولا يمكن أن تجللنا إشراقات الطهر، تنسكب من أقباس الحسين.. إلا إذا حطمت عقولنا أسوار الانفلاق على النفس، وانفلتت من أسر الرؤى الضيقة، وتسامت أرواحنا إلى عوالم النبل والفضيلة، وتعالت على الحياة المثقلة بأوضار الفهم المادي الزائف.
فيا من يريد فهم الحسين، ويا من يريد عطاء الحسين، ويا من يتعشق نور الحسين، ويا من يهيم بعلياء الحسين، افتحوا أمام عقولكم مسارب الانطلاق إلى دنيا الحسين، اكسحوا من حياتكم أركمة العفن والزيف، حرّروا أرواحكم من ثقل التيه في الدروب المعتمة، عند ذلك تنفتح دنيا الحسين، وعند ذلك تتجلى الرؤية، وتسمو النظرة، ويفيض العطاء، فأعظم بإنسان.. جدّه محمد سيد المرسلين، وأبوه علي بطل الإسلام الخالد، وسيد الأوصياء، وأمه الزهراء فاطمة سيدة نساء العالمين، وأخوه السبط الحسن ريحانة الرسول، نسب مشرق وضّاء، ببيت زكي طهور.
في أفياء هذا البيت العابق بالطهر والقداسة، ولد سبط محمد (صلى الله عليه وآله)، وفي ظلاله إشراقة الطهر من مقبس الوحي، وتمازجت في نفسه روافد الفيض والإشراق، تلك هي بداية حياة السبط الحسين، أعظم بها من بداية صنعتها يد محمد وعلي وفاطمة (صلى الله عليهم أجمعين)، وأعظم به من وليد، غذاه فيض محمد (صلى الله عليه وآله) وروي نفسه إيمان علي (عليه السلام)، وصاغ روحه حنو فاطمة (عليها السلام)، وهكذا كانت بواكير العظمة تجد طريقها إلى حياة الوليد الطاهر، وهكذا ترتسم درب الخلود في حياة السبط الحسين.
فكانت حياته (عليه السلام) زاخرة بالفيض والعطاء، وكانت حياته شعلة فرشت النور في درب الحياة، وشحنة غرست الدفق في قلب الوجود.


حسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام
أمه: فاطمة الزهراء ع الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام

جده لأمه
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

جده لأبيه
أبو طالب

جدته لأمه
خديجة بنت خويلد

جدته لأبيه
فاطمة بنت أسد

أبوه
علي أمير المؤمنين عليه السلام

أمه
فاطمة الزهراء عليها السلام

أخوه لأمه وأبيه
الإمام الحسن عليه السلام

أخواته لأمه وأبيه
زينب الكبرى، أم كلثوم عليهما السلام


ولادتـــــــــه


ولد بالمدينة في الثالث من شعبان (1) سنة أربع للهجرة، ولما ولد جيء به إلى جده رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فاستبشر به، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وحنكه بريقه، فلما كان اليوم السابع سماه حسيناً، وعقّ عنه بكبش، وأمر أمه عليها السلام أن تحلق رأسه وتتصدق بوزن شعره فضة
ولادة الحسين عليه السلام وصباه


والكرامات الحاصلة له ولأخيه الحسن


الأمر الأول : في تسمية الحسين عليه السلام :
لما كان ذكر ولادة الحسن والحسين وتسميتهما واحدة وحالت ولادتهما متشابه نذكر هنا رواية واحدة تفصل موضوع تسميتهما وكون أن اسميهما الكريمين مختارين من قبل الله تعالى وفي هذا الباب روايات كثيرة نذكر واحدة منها ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة المطولات كالبحار وغيره :
عن علي بن الحسين عليهم السلام عن أسماء بنت عميس قالت قبلت ( كانت قابلة و مولدة ) جدتك فاطمة عليها السلام بالحسن والحسين عليهما السلام .
فلما ولد الحسن عليه السلام جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا أسماء هاتي ابني ، فدفعته إليه في
خرقة صفراء ، فرمى بها النبي صلى الله عليه وآله وقال : يا أسماء ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء ، فلففته في خرقة بيضاء ودفعته إليه .
فأذن في إذنه اليمنى وأقام في اليسرى ثم قال لعلي عليه السلام : بأي شئ سميت ابني ؟ قال : ما كنت أسبقك باسمه يا رسول الله ، قد كنت احب أن اسميه حربا فقال النبي صلى الله عليه وآله : ولا
أسبق أنا باسمه ربي .
ثم هبط جبرائيل عليه السلام فقال : يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول :
علي منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك سم ابنك هذا باسم ابن هارون .
قال النبي صلى الله عليه وآله : وما اسم ابن هارون ؟ قال : شبر ، قال النبي صلى الله عليه وآله لساني عربي .
قال جبرائيل عليه السلام : سمه الحسن .
قالت أسماء : فسماه الحسن فلما كان يوم سابعة عق النبي صلى الله عليه وآله عنه بكبشين أملحين وأعطى القابلة فخذا ودينارا وحلق رأسه ، وتصدق بوزن الشعر ورقا وطلى رأسه بالخلوق ثم قال : يا أسماء الدم فعل الجاهلية .
قالت أسماء : فلما كان بعد حول ولد الحسين عليه السلام وجاءني النبي صلى الله عليه وآله فقال :
يا أسماء هلمي ابني ، فدفعته إليه في خرقة بيضاء فأذن في إذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، ووضعه في حجره فبكى ، فقالت أسماء : قلت : فداك أبي وأمي مم بكاؤك .
قال : على ابني هذا قلت : إنه ولد الساعة يا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : تقتله الفئة الباغية
من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي .
ثم قال : يا أسماء لا تخبري فاطمة بهذا فإنها قريبة عهد بولادته .
ثم قال لعلي عليه السلام : أي شئ سميت ابني ؟ قال : ما كنت لاسبقك باسمه يا رسول الله ، وقد
كنت احب أن اسميه حربا فقال النبي صلى الله عليه وآله ولا أسبق باسمه ربي عز وجل .
ثم هبط جبرائيل عليه السلام فقال : يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ، ويقول لك : على منك كهارون من موسى ، سم ابنك هذا باسم ابن هارون قال النبي صلى الله عليه وآله وما اسم ابن هارون ؟ قال : شبير قال النبي صلى الله عليه وآله : لساني عربي .
قال جبرائيل : سمه الحسين فسماه الحسين فلما كان يوم سابعة عق عنه النبي صلى الله عليه وآله بكبشين أملحين وأعطى القابلة فخذا ودينارا ثم حلق رأسه ، وتصدق بوزن الشعر ورقا وطلى رأسه
بالخلوق ، فقال : يا أسماء الدم فعل الجاهلية .
بيان : الملحة : بياض يخالطه سواد ، والخلوق : طيب معروف مركب يتخذ
من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة .
البحار باب 11، أو 12 حديث 4 جزء 39 أو 43
عمران بن سلمان وعمرو بن ثابت قالا : الحسن والحسين اسمان من أسامي أهل الجنة ولم يكونا في الدنيا .
عن جابر قال النبي صلى الله عليه وآله : سمي الحسن حسنا لان بإحسان الله قامت السماوات
والأرضون ، واشتق الحسين من الإحسان ، وعلي والحسن اسمان من أسماء الله تعالى
والحسين تصغير الحسن .
وحكى أبو الحسين النسابة : كأن الله عز وجل حجب هذين الاسمين عن الخلق يعني حسنا وحسينا يسمي بهما ابنا فاطمة عليها السلام فانه لا يعرف أن أحدا من العرب تسمى بهما في قديم الأيام إلى عصرهما لا من ولد نزار ولا اليمن مع سعة أفخاذهما.
حديث 30 في البحار.

الأمر الثاني : ولد الحسين طاهر نظيف .

عن صفية بنت عبد المطلب قالت : لما سقط الحسين من بطن أمه وكنت وليتها عليها السلام .
قال النبي صلى الله عليه وآله : يا عمة هلمي إلي ابني .
فقلت : يا رسول الله إنا لم ننظفه بعد .
فقال : يا عمة أنت تنظفينه ؟ إن الله تبارك وتعالى قد نظفه وطهره .
الحديث 16 في البحار باب 11 جزء 39 أو 43 حسب الطبعة .

الأمر الثالث : في إرتضاعه من لسان النبي :

عن صفيه بنت عبد المطلب قالت : لما سقط الحسين عليه السلام من بطن أمه فدفعته إلى النبي صلى الله عليه وآله فوضع النبي صلى الله عليه وآله لسانه في فيه وأقبل الحسين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله يمصه قالت : فما كنت أحسب رسول الله صلى الله عليه وآله يغذوه إلا لبنا أو عسلا قالت : فبال الحسين عليه فقبل النبي صلى الله عليه وآله بين عينيه ثم دفعه إلي وهو يبكي ويقول : لعن الله قوما هم قاتلوك يا بني يقولها ثلاثا .
قالت : فقلت : فداك أمي ومن يقتله ؟ قال : بقية الفئة الباغية من بني أمية لعنهم الله .
حديث 17.
عن برة ابنة امية الخزاعي قالت : لما حملت فاطمة عليها السلام بالحسن خرج النبي صلى الله عليه وآله في بعض وجوهه فقال لها : إنك ستلدين غلاما قد هنأني به جبرائيل ، فلا ترضعيه حتى أصير إليك قالت : فدخلت على فاطمة حين ولدت الحسن ، عليه السلام وله ثلاث ما أرضعته فقلت لها: أعطينيه حتى ارضعه ، فقالت : كلا ثم أدركتها رقة الأمهات فأرضعته فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله قال لها : ما ذا صنعت ؟
قالت : أدركتني عليه رقة الأمهات فأرضعته فقال : أبى الله عز وجل إلا ما أراد .
فلما حملت بالحسين عليه السلام قال لها : يا فاطمة إنك ستلدين غلاما قد هنأني به جبرائيل فلا ترضعيه حتى أجئ إليك ولو أقمت شهرا ، قالت : أفعل ذلك ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض وجوهه ، فولدت فاطمة الحسين عليه السلام فما أرضعته حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقال لها : ماذا صنعت ؟
قالت : ما أرضعته ، فأخذه فجعل لسانه في فمه فجعل الحسين يمص حتى قال النبي صلى الله عليه وآله : إيها حسين إيها حسين
ثم قال : أبى الله إلا ما يريد هي فيك وفي ولدك يعني الإمامة .حديث 32.

الأمر الرابع : ولد الحسين عليه السلام لستة اشهر :

عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
((إن جبرائيل عليه السلام نزل على محمد صلى الله عليه وآله فقال له : يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة ، تقتله أمتك من بعدك .
فقال : يا جبرائيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة ، تقتله أمتي من بعدي ، فعرج ثم هبط عليه السلام فقال له مثل ذلك.
فقال : يا جبرائيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي .
فعرج جبرائيل عليه السلام إلى السماء ثم هبط فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية .
فقال : قد رضيت ثم أرسل إلى فاطمة أن الله يبشرني بمولود يولد لك ، تقتله أمتي من بعدي.
فأرسلت إليه لا حاجة لي في مولود ( مني) ، تقتله أمتك من بعدك .
فأرسل إليها أن الله قد جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية فأرسلت إليه إن قد رضيت ، ف " حملته كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي " فلولا أنه قال : أصلح لي في ذريتي لكانت ذريته كلهم أئمة .
ولم يرضع الحسين من فاطمة عليها السلام ولا من أنثى ، كان يؤتى به النبي فيضع إبهامه في فيه فيمص منها ما يكفيها اليومين والثلاث ، فنبت لحم الحسين عليه السلام من لحم رسول الله ودمه ولم يولد لستة أشهر إلا عيسى ابن مريم عليه السلام والحسين بن علي عليهما السلام .

الأمر الخامس :في يوم ولادته غفر الله لفطرس ودردائيل وصلصائيل:

جاءت روايات كثيرة في أن الله سبحانه وتعالى قد غفر لفطرس كما ورد أيضاً في ودردائيل وصلصائل ـ وأنهم كانوا ملائكة كان مغضوب عليهم ـ ففيوم ولادة الحسين عليه السلام كرامة له عليه السلام غفر الله لهم .
عن إبراهيم بن شعيب قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
{{إن الحسين بن علي لما ولد أمر الله عز وجل جبرائيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول الله صلى الله عليه وآله من الله عز وجل ومن جبرائيل .
قال : فهبط جبرائيل فمر على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له : فطرس كان من الحملة بعثه الله عز وجل في شئ فأبطأ عليه فكسر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة فعبد الله تبارك وتعالى فيها سبعمائة عام حتى ولد الحسين بن علي عليهما السلام .
فقال الملك لجبرائيل : يا جبرائيل أين تريد ؟ قال : إن الله عز وجل أنعم على محمد بنعمة فبعثت أهنئه من الله ومني فقال : يا جبرائيل احملني معك لعل محمدا صلى الله عليه وآله يدعو لي ، قال : فحمله .
قال : فلما دخل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله هنأه من الله عز وجل ، ومنه وأخبره بحال فطرس .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : قل له : تمسح بهذا المولود ، وعد إلى مكانك ، قال فتمسح فطرس بالحسين بن علي عليهما السلام وارتفع .
فقال : يا رسول الله أما إن أمتك ستقتله وله علي مكافاة ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه ولا يسلم عليه
مسلم إلا أبلغته سلامه ولا يصلي عليه مصل إلا أبلغته صلاته ثم ارتفع}} .
البحار باب 11 الحديث 18.
قال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :
{{إن الله تبارك وتعالى ملكا يقال له : دردائيل كان له ستة عشر ألف جناح ، ما بين الجناح إلى الجناح هواء ، وآلهواء كما بين السماء والأرض .
فجعل يوما يقول في نفسه : أفوق ربنا جل جلاله شئ ؟ فعلم الله تبارك وتعالى ما قال فزاده أجنحة مثلها فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح ثم أوحى الله عز وجل إليه أن : طر ، فطار مقدار خمسمائة عام ، فلم ينل رأسه قائمة من قوائم العرش .
فلما علم الله عز وجل أتعابه ، أوحى إليه أيها الملك عد إلى مكانك ، فأنا عظيم فوق كل عظيم ، وليس فوقي شئ ، ولا أوصف بمكان ، فسلبه الله أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة .
فلما ولد الحسين بن علي صلوات الله عليهما ، وكان مولده عشية الخميس ليلة الجمعة أوحى الله إلى مالك خازن النيران أن اخمد النيران على أهلها لكرامة مولود ولد لمحمد صلى الله عليه وآله ، وأوحى إلى رضوان خازن الجنان أن زخرف الجنان وطيبها لكرامة مولد ولد لمحمد صلى الله عليه وآله في دار الدنيا ، وأوحى إلى حور العين [ أن ] تزين وتزاورن لكرامة مولود ولد لمحمد صلى الله عليه وآله في دار الدنيا .
وأوحى الله إلى الملائكة أن قوموا صفوفا بالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير ، لكرامة مولود ولد لمحمد صلى الله عليه وآله في دار الدنيا ، وأوحى الله عز وجل إلى جبرائيل عليه السلام أن اهبط إلى نبيي محمد في ألف قبيل ، في القبيل ألف ألف ملك على خيول بلق مسرجة ملجمة ، عليها قباب الدر والياقوت ، معهم ملائكة يقال لهم : الروحانيون بأيديهم حراب من نور أن هنئوا محمدا بمولوده .
وأخبره يا جبرئيل أني قد سميته الحسين وعزه وقل له : يا محمد يقتله شرار أمتك على شرار الدواب فويل للقاتل ، وويل للسائق ، وويل للقائد ، قاتل الحسين أنا منه برئ وهو مني برئ لأنه لا يأتي أحد يوم القيامة إلا وقاتل الحسين أعظم جرما منه .
قاتل الحسين يدخل النار يوم القيامة مع الذين يزعمون أن مع الله إلها آخر والنار أشوق إلى قاتل الحسين ممن أطاع الله إلى الجنة .
قال : فبينا جبرائيل يهبط من السماء إلى الأرض إذ مر بدردائيل فقال له دردائيل : يا جبرائيل ما هذه الليلة في السماء هل قامت القيامة على أهل الدنيا ؟ قال : لا ، و لكن ولد لمحمد مولود في دار الدنيا وقد بعثتي الله عز وجل إليه لأهنئه بمولوده فقال الملك له : يا جبرائيل بالذي خلقك وخلقني إن هبطت إلى محمد فأقرئه مني السلام وقل له : بحق هذا المولود عليك إلا ما سألت الله ربك أن يرضى عني ويرد علي أجنحتي ومقامي من صفوف الملائكة .
فهبط جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وهنأه كما أمره الله عز وجل وعزاه .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : تقتله أمتي ؟ قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله ما هؤلاء بأمتي أنا برئ منهم والله برئ منهم قال جبرائيل : وأنا برئ منهم يا محمد .
فدخل النبي صلى الله عليه وآله على فاطمة وهنأها وعزاها فبكت فاطمة عليها السلام وقالت :
يا ليتني لم ألده قاتل الحسين في النار وقال النبي صلى الله عليه وآله أنا أشهد بذلك يا فاطمة ولكنه لا يقتل حتى يكون منه إمام تكون منه الأئمة الهادية بعده .
ثم أخبر جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله بقضية الملك وما أصيب به .
قال ابن عباس فأخذ النبي صلى الله عليه وآله الحسين وهو ملفوف في خرق من صوف فأشار به إلى السماء ثم قال : اللهم بحق هذا المولود عليك ، لا بل بحقك عليه ، وعلى جده محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، إن كان للحسين بن علي ابن فاطمة عندك قدر فارض عن دردائيل ورد عليه أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة .
فاستجاب الله دعاءه ، وغفر للملك ، والملك لا يعرف في الجنة إلا بأن يقال : هذا مولى الحسين بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله .

البحار الحديث 24 .
عن الصادق عليه السلام أنه قال :
(كان ملك بين المؤمنين يقال له : صلصائيل ، بعثه الله في بعث فأبطأ فسلبه ريشه ودق جناحيه وأسكنه في جزيرة من جزائر البحر إلى ليلة ولد الحسين عليه السلام ، فنزلت الملائكة واستأذنت الله في تهنئة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وتهنئة أمير المؤمنين عليه السلام وفاطمة عليها السلام فأذن الله لهم فنزلوا أفواجا من العرش ومن السماء فمروا بصلصائيل وهو ملقى بالجزيرة .
فلما نظروا إليه وقفوا فقال لهم يا ملائكة ربي إلى أين تريدون ؟ وفيم هبطتم ؟
فقالت له الملائكة : ياصلصائيل قد ولد في هذه الليلة أكرم مولود ولد في الدنيا بعد جده رسول الله صلى الله عليه وآله وأبيه علي وأمه فاطمة وأخيه الحسن والحسين وقد استأذنا الله في تهنئة حبيبه محمد صلى الله عليه وآله لولده فأذن لنا .
فقال صلصائيل : يا ملائكة الله إني أسألكم بالله ربنا وربكم وبحبيبه محمد صلى الله عليه وآله وبهذا المولود أن تحملوني معكم إلى حبيب الله وتسألونه وأسأله أن يسأل الله بحق هذا المولود الذي وهبه
الله له أن يغفر لي خطيئتي ويجبر كسر جناحي ويردني إلى مقامي مع الملائكة المقربين .
فحملوه و جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فهنئوه بابنه الحسين عليه السلام وقصوا عليه قصة الملك وسألوه مسألة الله والإقسام عليه بحق الحسين عليه السلام أن يغفر له خطيئته ويجبر كسر جناحه ، ويرده إلى مقامه مع الملائكة المقربين .
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل على فاطمة عليها السلام فقال لها : ناوليني ابني الحسين فأخرجته إليه مقموطا يناغي جده رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج به إلى الملائكة فحمله على بطن كفه فهللوا وكبروا وحمدوا الله تعالى وأثنوا عليه .
فتوجه به إلى القبلة نحو السماء ، فقال : اللهم إني أسألك بحق ابني الحسين أن تغفر لصلصائيل خطيئته ، وتجبر كسر جناحه ، وترده إلى مقامه مع الملائكة المقربين ، فتقبل الله تعالى من النبي صلى الله عليه وآله ما أقسم به عليه ، وغفر لصلصائيل خطيئته وجبر كسر جناحه ، ورده إلى مقامه مع الملائكة المقربين .

الأمر السادس :الأذان و العقيقة والحلق عن الحسن والحسين :

مر بعض الذكر عن هذا الموضوع في ضمن الأمر الأول ونفرده هنا لتعم الفائدة .
ذكر في البحار روى مرفوعا إلى علي عليه السلام قال : حضرت ولادة فاطمة عليها السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأسماء بنت عميس وأم سلمة : أحضراها فإذا وقع ولدها واستهل فأذنا في إذنه اليمنى وأقيما في إذنه اليسرى فانه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان .
عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الغلام رهن بسابعه بكبش ، يسمى فيه ويعق عنه ، وقال : إن فاطمة عليها السلام حلقت ابنيها وتصدقت بوزن شعرهما فضة . الحديث 35 .
عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمى رسول الله صلى الله عليه وآله حسنا و حسينا عليهما السلام يوم سابعهما وشق من اسم الحسن الحسين وعق عنهما شاة شاة ، وبعثوا برجل شاة إلى القابلة ، ونظروا ما غيره ، وأكلوا منه ، وأهدوا إلى الجيران ، وحلقت فاطمة عليها السلام رؤوسهما وتصدقت بوزن شعرهما فضة . الحديث39.في هذا المعنى أحاديث كثيرة من أراد المزيد فليراجع .

الأمر السابع : جبرائيل يلهي الحسين عن البكاء حتى تستيقظ أمه :

وفي المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة ، عن أبي محمد الحسن بن طاهر القائني الهاشمي قال : جاء الحديث :
(( أن جبرائيل نزل يوما فوجد الزهراء نائمة والحسين قلقا على عادة الأطفال مع أمهاتهم فقعد جبرائيل يلهيه عن البكاء حتى استيقظت فأعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ))
. الحديث 59 .

الأمر الثامن :النبي يعلمنا أنه لا يجوز إذاء الحسين :

عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله أتي بالحسين بن علي عليهما السلام فوضع في حجره فبال عليه فاخذ فقال : لاتزرموا ابني ثم دعى بماء فصب عليه . الحديث 22 .
. قال الأصمعي الازرام : القطع ، يقال للرجل إذا قطع بوله أزرمت بولك وأزرمه غيره إذا قطعه ، وزرم البول نفسه إذا انقطع .

الأمر التاسع :في شعر الحسن والحسين في صباهما :

ذكر في البحار قال : وكان لهما ذؤابتان في القرن الأيسر ، وكان الثقب في الأذن اليمنى في شحمة الأذن وفي اليسرى في أعلى الأذن فالقرط في اليمنى والشنف في اليسرى .
و قد روي أن النبي صلى الله عليه وآله ترك لهما ذؤابتين في وسط الرأس وهو أصح من القرن .
بيان : القرط بالضم : الذي يعلق فط شحمة الأذن ، والشنف بالفتح ما يعلق في أعلى الإذن .
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله ترك لهما ذؤابتين في وسط الرأس .

الامر العاشر: تصارع الحسن والحسين عند النبي :

عن الإمام علي عليهم السلام قال : بينما الحسن والحسين يصطرعان عند النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله : هي يا حسن.
فقالت فاطمة : يا رسول الله تعين الكبير على الصغير ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : جبرائيل يقول : هي يا حسين وأنا أقول : هي يا حسن . الحديث 7.
بيان : قال الجوهري : تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل إيه بكسر الهاء ، قال ابن السكيت : فان وصلت نونت فقلت إيه حدثنا ثم قال : فإذا أسكته وكففته قلت : إيها عنا وإذا أردت التبعيد قلت : أيها بالفتح .
أقول : يظهر من الخبر أن إيها بالنصب أيضا يكون للاستزادة.

الأمر الحادي عشر :النبي يفدي ابنه للحسين عليه السلام :

عن ابن عباس قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي وهو تارة يقبل هذا وتارة يقبل هذا إذ هبط جبرائيل بوحى من رب العالمين .
فلما سري عنه قال : أتاني جبرائيل من ربي فقال : يا محمد إن ربك يقرء عليك السلام ويقول : لست أجمعها لك فأفد أحدهما بصاحبه ، فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى إبراهيم فبكى ونظر إلى الحسين فبكى ، وقال : إن إبراهيم أمه أمة ، ومتى مات لم يحزن عليه غيري ، وأم الحسين فاطمة وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي ، ومتى مات حزنت
ابنتي وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه ، وأنا أوثر حزني على حزنهما يا جبرائيل يقبض إبراهيم فديته للحسين .
قال : فقبض بعد ثلاث فكان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى الحسين عليه السلام مقبلا قبله وضمه إلى صدره ورشف ثناياه ، وقال : فديت من فديته بابني إبراهيم .الحديث 2.

الأمر الثاني عشر :البارقة تضيء طريق الحسن والحسين:

بالأسانيد الثلاثة ، عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام قال : إن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يلعبان عند النبي صلى الله عليه وآله حتى مضى عامة الليل ثم قال لهما : انصرفا إلى أمكما فبرقت برقة فما زالت تضئ لهما حتى دخلا على فاطمة عليها السلام
والنبي صلى الله عليه وآله ينظر إلى البرقة فقال : الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت . الحديث 24 .
صح : عنه ، عن آبائه عليهم السلام مثله.

الأمر الثالث عشر :الحسن والحسين في رعاية الله ونبيه :

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، عن أبيه ، عن جده عليهما السلام قال :{{ مرض النبي صلى الله عليه وآله المرضة التي عوفي منها فعادته فاطمة سيدة النساء ومعها الحسن والحسين عليهما السلام قد أخذت الحسن بيدها اليمنى وأخذت الحسين بيدها اليسرى وهما يمشيان وفاطمة بينهما حتى دخلوا منزل عائشة .
فقعد الحسن عليه السلام على جانب رسول الله صلى الله عليه وآله الأيمن والحسين عليه السلام على جانب رسول الله صلى الله عليه وآله الأيسر.
فأقبلا يغمزان ما يليهما من بدن رسول الله صلى الله عليه وآله فما أفاق النبي صلى الله عليه وآله من نومه .
فقالت فاطمة للحسن والحسين : حبيبي إن جدكما قد غفا فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتى يفيق وترجعان إليه ، فقالا ، لسنا ببارحين في وقتنا هذا فاضطجع الحسن على عضد النبي الأيمن ، والحسين على عضده الأيسر فغفيا وانتبها قبل أن ينتبه النبي صلى الله عليه وآله وقد كانت فاطمة عليها السلام لما نام انصرفت إلى منزلها .
فقالا لعائشة : ما فعلت أمنا ؟ قالت : لما نمتما رجعت إلى منزلها .
فخرجا في ليلة ظلماء مدلهمة ذات رعد وبرق وقد أرخت السماء عزاليها فسطع لهما نور فلم يزالا يمشيان في ذلك النور والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى وهما يتماشيان ويتحدثان حتى أتيا حديقة بني النجار ، فلما بلغا الحديقة حارا فبقيا لا يعلمان أين يأخذان .
فقال الحسن للحسين : إنا قد حرنا وبقينا على حالتنا هذه ، وما ندري أين نسلك ؟ فلا عليك أن ننام في وقتنا هذا حتى نصبح ، فقال له الحسين عليه السلام : دونك يا أخي فافعل ما ترى . فاضطجعا جميعا واعتنق كل واحد منهما صاحبه وناما .
وانتبه النبي صلى الله عليه وآله عن نومته التي نامها فطلبهما في منزل فاطمة فلم يكونا فيه وافتقدهما ، فقام صلى الله عليه وآله قائما على رجليه ، وهو يقول : إلهي وسيدي ومولاي هذان شبلي خرجا من المخمصة والمجاعة اللهم أنت وكيلي عليهما فسطع للنبي صلى الله عليه وآله نور فلم يزل يمضي في ذلك النور حتى أتى حديقة بني النجار .
فإذا هما نائمان قد اعتنق كل واحد منهما صاحبه وقد تقشعت السماء فوقهما كطبق فهي تمطر كأشد مطر ما رآه الناس قط وقد منع الله عز وجل المطر منهما في البقعة التي هما فيها نائمان لا يمطر عليهما قطرة ، وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام القصب وجناحان جناح قد غطت به الحسن ، وجناح قد غطت به الحسين .
فلما أن بصر بهما النبي صلى الله عليه وآله تنحنح فانسابت الحية وهي تقول : اللهم إني أشهدك واشهد ملائكتك أن هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه ودفعتهما إليه سالمين صحيحين .
فقال لها النبي صلى الله عليه وآله : أيتها الحية مم أنت ؟
قالت : أنا رسول الجن إليك قال : وأي الجن ؟ قالت : جن نصيبين نفر من بني مليح نسينا آية من كتاب الله عز وجل فبثوني إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله فلما بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي : أيتها الحية هذان شبلا رسول الله فاحفظيهما من العاهات والآفات ، ومن طوارق الليل والنهار ، فقد حفظتهما وسلمتهما إليك سالمين صحيحين وأخذت الحية الآية وانصرفت .
فأخذ النبي صلى الله عليه وآله الحسن فوضعه على عاتقه الأيمن ووضع الحسين على عاتقه الأيسر .
وخرج علي عليه السلام فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله فقال له بعض أصحابه : بأبي أنت وأمي ادفع إلي أحد شبليك اخفف عنك فقال : امض فقد سمع الله كلامك وعرف مقامك ، وتلقاه آخر فقال : بأبي أنت وأمي ادفع إلي أحد شبليك اخفف عنك فقال : امض فقد سمع الله كلامك ، وعرف مقامك .
فتلقاه علي عليه السلام فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ادفع إلي أحد شبلي وشبليك حتى اخفف عنك .
فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إلى الحسن فقال : يا حسن هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال له : والله يا جداه إن كتفك لأحب إلي من كتف أبي ، ثم التفت إلى الحسين عليه السلام فقال : يا حسين هل تمضي إلى كتف أبيك ؟ فقال له : والله ياجداه إني لأقول لك كما قال أخي الحسن إن كتفك لأحب إلي من كتف أبي .
فأقبل بهما إلى منزل فاطمة عليها السلام وقد ادخرت لهما تميرات فوضعتها بين أيديهما فأكلا وشبعا وفرحا .
فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله : قوما الآن فاصطرعا ، فقاما ليصطرعا ، وقد خرجت فاطمة في بعض حاجتها ، فدخلت فسمعت النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول : إيه يا حسن شد على الحسين فاصرعه ، فقالت له : يا أبه واعجباه أتشجع هذا على هذا ؟ تشجع الكبير على الصغير ؟
فقال لها : يا بنية أما ترضين أن أقول أنا : يا حسن شد على الحسين فاصرعه وهذا حبيبي جبرائيل يقول : يا حسين شد على الحسن فاصرعه .
الحديث 25 الباب12 . كما روي مثل هذا الحديث بإسناد أخر .
بيان : غفا غفوا وغفوا : نام أو نعس كأغفى وادلهم الظلام : كثف ، وقال الجزري : العزالى جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل فشبه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة انتهى ، والشبل بالكسر ولد الأسد إذا أدرك الصيد ويقال قشعت الريح السحاب أي كشفته ، فانقشع وتقشع ، وانسابت الحية : جرت .

الأمر الرابع عشر: حلتان من الجنة للحسن والحسين :

عن أم سلمة أنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يلبس ولده الحسين عليه السلام حلة ليست من ثياب الدنيا.
فقلت له : يا رسول الله ما هذه الحلة ؟ فقال : هذه هدية أهداها إلي ربي للحسين عليه السلام وإن لحمتها من زغب جناح جبرائيل ، وها أنا البسه إياها وأزينه بها ، فان اليوم يوم الزينة وإني احبه . الحديث 38 .
قال الرضا عليه السلام : عري الحسن و الحسين صلوات الله عليهما وأدركهما العيد ، فقالا لامهما : قد زينوا صبيان المدينة إلا نحن ، فمالك لا تريننا ؟ فقالت : إن ثيابكما عند الخياط فإذا أتا [ ني ] زينتكما ، فلما كانت ليلة العيد أعادا القول على أمهما فبكت ورحمتهما ، فقالت لهما ما قالت في الأولى فردا عليها .
فلما أخذ الظلام قرع الباب قارع ، فقالت فاطمة : من هذا ؟ قال : يا بنت رسول الله أنا الخياط جئت بالثياب ، ففتحت ألباب ، فإذا رجل ومعه من لباس العيد.
قالت فاطمة : والله لم أر رجلا أهيب سيمة منه ، فناولها منديلا مشدودا ثم انصرف .
فدخلت فاطمة ففتحت المنديل فإذا فيه قميصان ، ودراعتان ، وسراولان ورداءان ، وعمامتان ، وخفان أسودان معقبان بحمرة ، فأيقظتهما وألبستهما .
فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وهما مزينان فحملهما وقبلهما ثم قال : رأيت الخياط ؟
قالت : نعم ، يا رسول الله ، والذي أنفذته من الثياب قال : يا بنية ما هو خياط إنما هو رضوان خازن الجنة قالت فاطمة : فمن أخبرك يا رسول الله ؟ قال : ما عرج حتى جاءني .

الأمر الخامس عشر: يعلمنا النبي الرحمة بتقبيله للحسن والحسين :

أحمد بن حنبل في المسند ، عن أبي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل الحسن والحسين فقال عيينة - وفي رواية غيره الأقرع بن حابس - : إن لي عشرة ما قبلت واحدا منهم قط فقال عليه السلام : من لا يرحم ،وفي رواية حفص الفراء فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى التمع لونه وقال للرجل : إن كان قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بك من لم يرحم صغيرنا ولم يعزز كبيرنا فليس منا .

الأمر السادس عشر :سقاية واستقاء النبي للحسن والحسين :

ومن إيثارهما على نفسه صلى الله عليه وآله ماروي عن علي عليه السلام أنه قال : عطش المسلمون عطشا شديدا فجاءت فاطمة بالحسن والحسين إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت : يا رسول الله إنهما صغيران لا يحتملان العطش ، فدعا الحسن فأعطاه لسانه فمصه حتى ارتوى .
ثم دعا الحسين فأعطاه لسانه فمصه حتى ارتوى .
تفسير الثعلبي قال الربيع بن خثيم لبعض من شهد قتل الحسين عليه السلام :
جئتم بها معلقيها - يعني الرؤوس - ثم قال : والله لقد قتلتم صفوة لو أدركهم رسول الله صلى الله عليه وآله لقبل أفواههم وأجلسهم في حجرة ثم قرأ " اللهم فاطر السماوات والأرض [ عالم الغيب والشهادة ] أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون "
وقد روى جماعة ، عن أم سلمة وعن ميمونة واللفظ له عن علي عليه السلام
قال : رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله قد أدخل رجله في اللحاف أو في الشعار فاستسقى الحسن فوثب النبي صلى الله عليه وآله إلى منيحة لنا فمص من ضرعها فجعله في قدح ثم وضعه في يد الحسن فجعل الحسين يثب عليه ورسول الله صلى الله عليه وآله يمنعه فقالت فاطمة : كأنه أحبهما إليك يا رسول الله.
قال : ما هو بأحبهما إلي ولكنه استسقى أول مرة وإني و إياك وهذين وهذا المنجدل يوم القيامة في مكان واحد .
بيان : المنيحة بفتح الميم والحاء وكسر النون منحة اللبن كالناقة أو الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ثم يردها عليك ، وقال الجزري : فيه أنا خاتم النبيين في أم الكتاب وإن آدم لمنجدل في طينته أي ملقى على الجدالة وهي الأرض ومنه حديث ابن صياد : وهو منجدل في الشمس انتهى ولعله عليه السلام كان متكئا أو نائما .
أبو حازم ، عن أبي هريرة قال : رأيت النبي صلى الله عليه وآله يمص لعاب الحسن والحسين كما يمص الرجل الثمرة . الحديث 50 .

الأمر السابع عشر : أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض:

الخركوشي في اللوامع وفي شرف النبي أيضا والسمعاني في الفضائل والترمذي في الجامع والثعلبي في الكشف والواحدي في الوسيط وأحمد بن حنبل في الفضائل وروى الخلق ، عن عبد الله بن بريدة قال : سمعت أبي يقول :
كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب على المنبر فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله من المنبر فحملها ووضعهما بين يديه ثم قال :
" إنما أموالكم وأولادكم فتنة "إلى آخر كلامه وقد ذكره أبو طالب الحارثي في قوت القلوب إلا أنه تفرد بالحسن بن علي عليه السلام وفي خبر : أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض ..

الأمر الثامن عشر :النبي يلاعب الحسن والحسين :
روى عدة أنه:
كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما ، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجرة وقال : من أحبني فليحب هذين ، وفي رواية الحلية : ذروهما بأبي وأمي ، من أحبني فليحب هذين
الأحياء : عن الغزالي والفردوس : عن الديلمي قال المقدام بن معدي كرب :
وقال صلى الله عليه وآله : هما وديعتي في أمتي .
ومن ملاعبته صلى الله عليه وآله معهما ما رواه ابن بطة في الإبانة من أربعة طرق ، عن سفيان الثوري ، عن أبي ال***ر ، عن جابر
قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله والحسن والحسين عليهما السلام على ظهره وهو يجثو لهما ويقول : نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما .
ابن نجيح كان الحسن والحسين يركبان ظهر النبي صلى الله عليه وآله ويقولان : حل حل ( 1 ) ويقول : نعم الجمل جملكما .
السمعاني في الفضائل ، عن أسلم مولى عمر ، عن عمر بن الخطاب
قال : رأيت الحسن والحسين على عاتقي رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت : نعم الفرس لكما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ونعم الفارسان هما .
ابن حماد ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله برك للحسن والحسين فحملهما وخالف بين أيديهما وأرجلهما وقال : نعم الجمل جملكما .
رواية أبي يوسف الخركوشي في شرف النبي صلى الله عليه وآله ، عن عبد العزيز بإسناده ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان جالسا فأقبل الحسن والحسين فلما رآهما النبي صلى الله عليه وآله قام لهما واستبطأ بلوغهما إليه ، فاستقبلهما وحملهما على كتفيه ، وقال : نعم المطي مطيكما ونعم الراكبان أنتما وأبوكما خير منكما .الحديث 51 .
* ( هامش ) * 1 قال الجوهري : حلحلت بالناقة ، إذا قلت لها حل - بالتسكين - وهو زجر للناقة .
تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان ، عن عبيد الله بن موسى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : حمل رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن والحسين على ظهره : الحسن على أضلاعه اليمنى والحسين على أضلاعه اليسرى ثم مشى وقال : نعم المطي مطيكما ، ونعم الراكبان أنتما ، أبوكما خير منكما .

الأمر التاسع عشر : نوع آخر من الملاعبة للحسن والحسين مع النبي وأمهما :

مرزد قال : سمعت [ أبا هريرة ] يقول سمع أذناي هاتان وبصر عيناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وآله وهو آخذ بيديه جميعا بكتفي الحسن والحسين ، وقد ما هما على قدم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويقول : ترق عين بقة قال : فرقا الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال له : افتح فاك ثم قبله ثم قال : اللهم أحبه فإني احبه .
كتاب ابن البيع وابن مهدي والزمخشري قال : حزقة حزقة ترق عين بقة اللهم إني احبه فأحبه وأحب من يحبه .
الحزقة : القصير الصغير الخطأ ، وعين بقة أصغر الأعين وقال : أراد بالبقة فاطمة ( 2 ) فقال للحسين : يا قرة عين بقة ترق .
وكانت فاطمة عليهما السلام ترقص ابنها حسنا عليه السلام وتقول : أشبه أباك يا حسن * واخلع عن الحق الرسن .
واعبد إلها ذا منن * ولا توال ذا الإحن
وقالت للحسين عليه السلام :
أنت شبيه بأبي = لست شبيها بعلي
وكانت أم سلمة تربي الحسين وتقول :
بأبي ابن علي = أنت بالخير ملي
كن كأسنان حلي= كن كبكش الحولي

وكانت أم الفضل امرأة العباس تربي الحسين وتقول :
يا ابن رسول الله = يا ابن كثير الجاه
فرد بلا أشباه = أعاذه إلهي من أمم الدواهي
إيضاح : قال الجزري : فيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يرقص الحسن أو الحسين ويقول : حزقة حزقة ترق عين بقة فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره .
الحزفة : الضيف المقارب الخطو من ضعفه ، وقيل : القصير العظيم البطن فذكر هالة على سبيل المداعبة والتأنيس له ، وترق بمعنى اصعد ، وعين بقة كناية عن صغر العين ، وحزقة مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره أنت حزقة ، وحزقة الثاني كذلك أو أنه خبر مكرر ، ومن لم ينون حزقة فحذف حرف النداء وهي في الشذوذ كقولهم أطرق كرا لان حرف النداء إنما يحذف من العلم المضموم أو المضاف انتهى .
قولها عليهما السلام : " واخلع عن الحق الرسن " الحق بفتح الحاء فيكون كناية عن إظهار الاسرار أوبضمها بأن يكون جمع حقة بالضم أو بالكسر وهو ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين فيكون كناية عن السخاء والجود ، أو عن التصرف في الأمور والاشتغال ، بالأعمال فان تسريح الإبل تدبير لها ، وموجب للاشتغال بغيرها ، و أسنان الحلي تضاريسه ، والتشبيه في الاستواء والحسن

الأمر العشرون : ملاعبة أخرى بين النبي والحسين :

أبو السعادات في فضائل العشرة قال يزيد بن أبي زياد :
خرج النبي صلى الله عليه وآله من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع الحسين يبكي ، فقال : ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني .
ابن ماجه في السنن ، والزمخشري في الفائق :
رأى النبي صلى الله عليه وآله الحسين يلعب مع الصبيان في السكه فاستقبل النبي صلى الله عليه وآله أمام القوم فبسط إحدى يديه فطفق الصبي يفر مرة من ههنا ومرة من ههنا ورسول الله يضاحكه ، ثم أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى على فاس رأسه وأقنعه فقبله
وقال : أنا من حسين وحسين مني أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط .
استقبل أي تقدم وأقنعه أي رفعه .
بيان : قال الجزري فيه : فجعل إحدى يديه في فاس رأسه ، هو طرف مؤخره المشرف على القنا .
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل الحسين عليه السلام فجعل ينزو على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وعلى بطنه ، فقال فقال : دعوه .

الأمر الحادي والعشرون : في أول تكبير للحسين :

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في الصلاة وإلى جانبه الحسين بن علي فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يحر الحسين التكبير ، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر ويعالج الحسين التكبير ولم يحر حتى أكلم سبع تكبيرات فأحار الحسين التكبير في السابعة فقال أبو عبد الله عليه السلام فصارت سنة .الحديث 69.

الأمر الثاني والعشرون: الحسن والحسين يتسابقان في الخط والله يحكم بينهم :

وروي في المراسيل أن الحسن والحسين كانا يكتبان فقال الحسن للحسين : خطي أحسن من خطك ، وقال الحسين : لا بل خطي أحسن من خطك ، فقالا لفاطمة : احكمي بيننا فكرهت فاطمة أن تؤذي أحدهما ، فقالت لهما : سلا أباكما فسألاه.
فكره أن يؤذي أحدهما فقال : سلا جدكما رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال صلى الله عليه وآله : لا أحكم بينكما حتى أسأل جبرائيل فلما جاء جبرائيل قال : لا أحكم بينهما ولكن إسرافيل يحكم بينهما فقال إسرافيل : لا أحكم بينهما ولكن أسأل الله أن يحكم بينهما.
فسأل الله تعالى ذلك فقال تعالى : لا أحكم بينهما ولكن أمهما فاطمة تحكم بينهما .
فقالت فاطمة : أحكم بينهما يا رب وكانت لها قلادة فقالت لهما أنا أنثر بينكما جواهر هذه القلادة فمن أخذ منهما أكثر فخطه أحسن ، فنثرتها وكان جبرائيل وقتئذ عند قائمة العرش فأمره الله تعالى أن يهبط إلى الأرض وينصف الجواهر بينهما كيلا يتأذى أحدهما ففعل ذلك جبرائيل إكراما لهما وتعظيما .

الأمر الثالث والعشرون : طعام من الجنة للحسن والحسين ولجدهما وأبيهما وأمهما:

عن سلمان قال : أتيت النبي صلى الله عليه وآله فسلمت عليه ثم دخلت على فاطمة عليها السلام فقالت : يا عبد الله هذان الحسن والحسين جائعان يبكيان ، فخذ بأيديهما فاخرج بهما إلى جدهما فأخذت بأيديهما وحملتهما حتى أتيت بهما إلى النبي صلى الله عليه وآله .
فقال : مالكما يا حسناي قالا : نشتهي طعاما يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله اللهم أطعمهما - ثلاثا - قال : فنظرت فإذا سفرجلة في يد رسول الله صلى الله عليه وآله شبيهة بقلة من قلال هجر أشد بياضا من الثلج ، وأحلى من العسل وألين من الزبد ، ففركها صلى الله عليه وآله بإبهامه فصيرها نصفين ثم دفع إلى الحسن نصفها وإلى الحسين نصفها ، فجعلت أنظر إلى النصفين في أيديهما وأنا أشتهيها .
قال : يا سلمان هذا طعام من الجنة لا يأكله أحد حتى ينجو من الحساب .
وروى ركن الأئمة عبد الحميد بسنده عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله جائعا لايقدر على ما يأكل فقال لي : هاتي رداي ، فقلت : أين تريد ؟ قال : إلى فاطمة ابنتي فأنظر إلى الحسن والحسين ، فيذهب بعض ما بي من الجوع . فخرج حتى دخل على فاطمة عليها السلام فقال : يا فاطمة أين ابناي ؟
فقالت : يا رسول الله خرجا من الجوع وهما يبكيان ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله في طلبهما فرأى أبا الدارداء فقال : ياعويمر هل رأيت ابني ؟ قال : نعم يا رسول الله هما نائمان في ظل حائط بني جدعان ، فانطلق النبي فضمهما وهما يبكيان وهو يمسح الدموع عنهما ، فقال له أبوا لدرداء : دعني أحملهما فقال : يا أبا الدرداء دعني أمسح الدموع عنهما فو الذي بعثني بالحق نبيا لو قطر قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أمتي إلى يوم القيامة ثم حملهما وهما يبكيان وهو يبكي .
فجاء جبرائيل فقال : السلام عليك يا محمد رب العزة جل جلاله يقرئك السلام ويقول : ما هذا الجزع ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله يا جبرئيل ما أبكي جزعا بل أبكي من ذل الدنيا ، فقال جبرائيل : إن الله تعالى يقول : أيسر ك أن احول لك أحدا ذهبا ولا ينقص لك مما عندي شئ ؟ قال : لا ، قال لم ؟ قال : لان الله تعالى لم يحب الدنيا ولو أحبها لماالأمر الثالث والعشرون :طعام من الجنة للحسن والحسين ولجدهما وأبيهما وأمهما:
عن سلمان قال : أتيت النبي صلى الله عليه وآله فسلمت عليه ثم دخلت على فاطمة عليها السلام فقالت : يا عبد الله هذان الحسن والحسين جائعان يبكيان ، فخذ بأيديهما فاخرج بهما إلى جدهما فأخذت بأيديهما وحملتهما حتى أتيت بهما إلى النبي صلى الله عليه وآله .
فقال : مالكما يا حسناي قالا : نشتهي طعاما يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله اللهم أطعمهما - ثلاثا - قال : فنظرت فإذا سفرجلة في يد رسول الله صلى الله عليه وآله شبيهة بقلة من قلال هجر أشد بياضا من الثلج ، وأحلى من العسل وألين من الزبد ، ففركها صلى الله عليه وآله بإبهامه فصيرها نصفين ثم دفع إلى الحسن نصفها وإلى الحسين نصفها ، فجعلت أنظر إلى النصفين في أيديهما وأنا أشتهيها .
قال : يا سلمان هذا طعام من الجنة لا يأكله أحد حتى ينجو من الحساب .
وروى ركن الأئمة عبد الحميد بسنده عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله جائعا لايقدر على ما يأكل فقال لي : هاتي رداي ، فقلت : أين تريد ؟ قال : إلى فاطمة ابنتي فأنظر إلى الحسن والحسين ، فيذهب بعض ما بي من الجوع . فخرج حتى دخل على فاطمة عليها السلام فقال : يا فاطمة أين ابناي ؟
فقالت : يا رسول الله خرجا من الجوع وهما يبكيان ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله في طلبهما فرأى أبا الدارداء فقال : ياعويمر هل رأيت ابني ؟ قال : نعم يا رسول الله هما نائمان في ظل حائط بني جدعان ، فانطلق النبي فضمهما وهما يبكيان وهو يمسح الدموع عنهما ، فقال له أبوا لدرداء : دعني أحملهما فقال : يا أبا الدرداء دعني أمسح الدموع عنهما فو الذي بعثني بالحق نبيا لو قطر قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أمتي إلى يوم القيامة ثم حملهما وهما يبكيان وهو يبكي .
فجاء جبرائيل فقال : السلام عليك يا محمد رب العزة جل جلاله يقرئك السلام ويقول : ما هذا الجزع ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله يا جبرئيل ما أبكي جزعا بل أبكي من ذل الدنيا ، فقال جبرائيل : إن الله تعالى يقول : أيسر ك أن احول لك أحدا ذهبا ولا ينقص لك مما عندي شئ ؟ قال : لا ، قال لم ؟ قال : لان الله تعالى لم يحب الدنيا ولو أحبها لما جعل للكافر أكملها .
فقال جبرائيل عليه السلام : يا محمد ادع بالجفنة المنكوسة التي في ناحية البيت ، قال : فدعا بها فلما حملت فإذا فيها ثريد ولحم كثير ، فقال : كل يا محمد وأطعم ابنيك وأهل بيتك ، قال : فأكلوا فشبعوا قال : ثم أرسل بها إلي فأكلوا وشبعوا وهو على حالها ، قال : ما رأيت جفنة أعظم بركة منها ، فرفعت عنهم فقال النبي صلى الله عليه وآله : والذي بعثني بالحق لو سكت لتداولها فقراء أمتي إلى يوم القيامة .
ذكر في البحار أيضاً وقال : أقول : وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه روي مرسلا عن جماعة من الصحابة قالوا :
دخل النبي صلى الله عليه وآله دار فاطمة عليها السلام فقال : يا فاطمة إن أباك اليوم ضيفك ، فقالت عليها السلام : يا أبت إن الحسن والحسين يطالباني بشيء من الزاد فلم أجدلهما شيئا يقتاتان به .
ثم إن النبي صلى الله عليه وآله دخل وجلس مع علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام ، وفاطمة متحيرة ما تدري كيف تصنع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى السماء ساعة وإذا بجبرائيل عليه السلام قد نزل ، وقال : يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام
ويخصك بالتحية والإكرام ، ويقول لك : قل لعلي وفاطمة والحسن والحسين : أي شئ يشتهون من فواكه الجنة ؟
فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا علي ! ويا فاطمة ! ويا حسن ! ويا حسين ! إن رب العزة علم أنكم جياع فأي شئ تشتهون من فواكه الجنة ؟ فأمسكوا عن الكلام ولم يردوا جوابا حياء من النبي صلى الله عليه وآله .
فقال الحسين عليه السلام : عن إذنك يا أباه يا أمير المؤمنين ، وعن إذنك يا أماه يا سيدة نساء العالمين ، وعن إذنك يا أخاه الحسن الزكي أختار لكم شيئا من فواكه الجنة .
فقالوا جميعا : قل يا حسين ما شئت فقد رضينا بما تختاره لنا .
فقال : يا رسول الله قل لجبرائيل إنا نشتهي رطبا جنيا فقال النبي صلى الله عليه وآله : قد علم الله ذلك ثم قال : يا فاطمة قومي وادخلي البيت و احضري إلينا ما فيه ، فدخلت فرأت فيه طبقا من البلور ، مغطى بمنديل من السندس الأخضر ، وفيه رطب جني في غير أوانه فقال النبي : يا فاطمة أنى لك هذا ؟
قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب كما قالت مريم بنت عمران .
فقام النبي صلى الله عليه وآله وتناوله وقدمه بين أيديهم ثم قال : بسم الله الرحمن الرحيم ثم أخذ رطبة واحدة فوضعها في فم الحسين عليه السلام فقال : هنيئا مريئا لك يا حسين ، ثم أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن وقال : هنيئا مريئا يا حسن ، ثم أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزهراء عليها السلام وقال لها : هنيئا مريئا لك يا فاطمة الزهراء ، ثم أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم علي عليه السلام وقال : هنيئا مريئا لك يا علي . ثم ناول عليا رطبة أخرى والنبي صلى الله عليه وآله يقول له : هنيئا مريئا لك يا علي .
ثم وثب النبي صلى الله عليه وآله قائما ثم جلس ثم أكلوا جميعا عن ذلك الرطب فلما اكتفوا وشبعوا ، ارتفعت المائدة إلى السماء بإذن الله تعالى .
فقالت فاطمة : يا أبه ! لقد رأيت اليوم منك عجبا .
فقال : يا فاطمة أما الرطبة الأولى التي وضعتها في فم الحسين ، وقلت له : هنيئا يا حسين ، فإني سمعت ميكائيل وإسرافيل يقولان : هنيئا لك يا حسين ، فقلت أيضا موافقا لهما في القول ثم أخذت الثانية فوضعتها في فم الحسن ، فسمعت جبرائيل وميكائيل يقولان :
هنيئا لك يا حسن ، فقلت : أنا موافقا لهما في القول ، ثم أخذت الثالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان وهن يقلن : هنيئا لك يا فاطمة ، فقلت موافقا لهن بالقول .
ولما أخذت الرابعة فوضعتها في فم علي سمعت النداء من [ قبل ] الحق سبحانه وتعالى يقول : هنيئا مريئا لك يا علي ، فقلت موافقا لقول الله عز وجل ، ثم ناولت عليا رطبة أخرى ثم أخرى وأنا أسمع صوت الحق سبحانه وتعالى يقول : هنيئا مريئا لك يا علي .
ثم قمت إجلالا لرب العزة جل جلاله ، فسمعته يقول : يا محمد وعزتي وجلالي ، لو ناولت عليا من هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة لقلت له : هنئيا مريئا بغير انقطاع .
الحديث 73.

الأمر الرابع والعشرون : غزال للحسين عليه السلام :

وروي في بعض الأخبار أن أعرابيا أتى الرسول صلى الله عليه وآله فقال له : يا رسول الله لقد صدت خشفة غزالة وأتيت بها إليك هدية لولديك الحسن والحسين ، فقبلها النبي صلى الله عليه وآله ودعا له بالخير فإذا الحسن عليه السلام واقف عند جده فرغب إليها فأعطاه إياها .
فما مضى ساعة إلا والحسين عليه السلام قد أقبل فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها فقال : يا أخي من أين لك هذه الخشفة ؟ فقال الحسن عليه السلام : أعطانيها جدي رسول الله صلى الله عليه وآله .
فسار الحسين عليه السلام مسرعا إلى جده فقال : ياجداه أعطيت أخي خشفة يلعب بها ولم تعطني مثلها ، وجعل يكرر القول على جده ، وهو ساكت لكنه يسلي خاطره ويلاطفه بشيء من الكلام حتى أفضى من أمر الحسين عليه السلام إلى أن هم يبكي .
فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها ، ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وتضربها بأحد أطرافها حتى أتت بها إلى النبي صلى الله عليه وآله ثم نطقت الغزالة بلسان فصيح وقالت : يا رسول الله قد كانت لي خشفتان إحداهما صادها الصياد وأتى بها إليك وبقيت لي هذه الأخرى وأنا بها مسرورة وإني كنت الآن ارضعها فسمعت قائلا يقول : أسرعي أسرعي يا غزالة ، بخشفك إلى النبي محمد وأوصليه سريعا لان الحسين واقف بين يدي جده وقد هم أن يبكي ، والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة ، ولو بكى الحسين عليه السلام لبكت الملائكة المقربون لبكائه .
وسمعت أيضا قائلا يقول : أسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خد الحسين عليه السلام فان لم تفعلي سلطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك فأتيت بخشفي إليك يا رسول الله وقطعت مسافة بعيدة ، ولكن طويت لي الأرض حتى أتيتك سريعة ، وأنا أحمد الله ربي على أن جئتك قبل جريان دموع الحسين عليه السلام على خده .
فارتفع التهليل والتكبير من الأصحاب ودعا النبي صلى الله عليه وآله للغزالة بالخير والبركة ، وأخذ الحسين عليه السلام الخشفة وأتى بها إلى أمه الزهراء عليها السلام فسرت بذلك سرورا عظيما .

الأمرالخامس والعشرون : النبي الأكرم يعوذ الحسن والحسين:

وعن ابن عمر قال : كل واحد منا كنا جلوسا عند رسول الله إذ مر به الحسن والحسين وهما صبيان فقال : هات ابني أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق فقال : أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل عين لامة ، ومن كل شيطان وهامة .
ابن ماجه في السنن ، وأبو نعيم في الحلية ، والسمعاني في الفضائل بالإسناد عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس :
أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعوذ حسنا وحسينا .
فيقول : أعيذ كما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة . وكان إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحاق .
وجاء في أكثر التفاسير أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعوذهما بالمعوذتين ولهذا سمي المعوذتين ، وزاد أبو سعيد الخدري في الرواية ثم يقول صلى الله عليه وآله : هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق كان يتفل عليهما ومن كثرة عوذ النبي صلى الله عليه وآله قال ابن مسعود وغيره : إنهما عوذتان للحسنين وليستا من القرآن الكريم .
وكذا ذكر في روايات كثيره أن تعويذتان كانت على الحسن والحسين من زغب جبرائيل عليه السلام
عن ابن عمر قال : كان على الحسن والحسين عليهما السلام تعويذان حشوهما من زغب جناح جبرائيل عليه السلام .الحديث 9.
أربعين المؤذن وإبانة العكبري ، وخصائص النطنزي قال ابن عمر : كان للحسن والحسين تعويذان حشوهما من زغب جناح جبرائيل ، وفي رواية فيهما من جناح جبرائيل .
وعن أم عثمان أم ولد لعلي عليه السلام قالت : كانت لآل محمد صلى الله عليهم وسادة لا يجلس عليها إلا جبرائيل ، فإذا قام عنها طويت فكان إذا قام انتفض من زغبه ، فتلتقطه فاطمة ، فتجعله في تمائم الحسن والحسين


صفـــــــــــــــته


كان أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، واسع الجبين، كثّ اللحية، واسع الصدر، عظيم المنكبين، ضخم العظام، رحب الكفين والقدمين، رجل الشعر، متماسك البدن، أبيض مشرب بحمرة، نشأ في ظل جده الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم فكان هو الذي يتولى تربيته ورعايته




ألقـــــــــــابه

الرشيد، الوفي، الطيب، السيد، الزكي، المبارك، التابع لمرضاة الله، الدليل على ذات الله، السبط، سيد شباب أهل الجنة


حياته مع أبيه


لازم أباه أمير المؤمنين (عليه السلام) وحضر مدرسته الكبرى ما يناهز ربع قرن. اشترك في حروب أبيه الثلاث: الجمل، صفين، النهروان


زوجاته


ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، شاه زنان بنت كسرى يزدجرد ملك الفرس الرباب بنت امرئ القيس بن عدي


أولاده


الإمام زين العابدين، علي الأكبر، جعفر، عبد الله


بناته


سكينة، فاطمة، رقية


حياته مع أخيه بعده


بايع لأخيه الحسن عليه السلام بعد مقتل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام سنة 40 هـ وبلغ به الاحترام لمقام الإمامة والأخوة ما ذكر الطبرسي عن الإمام الصادق عليه السلام: ما مشى الحسين بين يدي الحسن عليه السلام قط ولا بدره بمنطق إذا اجتمعا تعظيماً له
وعاش بعد أخيه الحسن (عليه السلام) عشر سنين كان فيها الإمام المفترض الطاعة ـ على رأي طائفة عظيمة من المسلمين وسبط الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وريحانته وثاني الثقلين اللذين خلفهما صلّى الله عليه وآله وسلّم في الأمة ـ الكتاب والعترة ـ وسيد شباب أهل الجنة بإجماع المسلمين
خرج من المدينة بأهله وصحبه متوجهاً إلى مكة ممتنعاً عن بيعة يزيد وكان خروجه ليلة الأحد ليومين بقيا من شهر رجب سنة 60 هـ وهو يتلو قوله تعالى: فخرج منها خائفاً يترقب قال ربي نجني من القوم الظالمين
دخل مكة لثلاث مضين من شعبان سنة 60 هـ وهو يتلو قوله تعالى: ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل
وافته كتب أهل الكوفة ووفودهم بالبيعة والطاعة حتى اجتمع عنده اثنا عشر ألف كتاب
أرسل من مكة ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة سفيراً وممثلاً
بلغه أن يزيد بن معاوية أرسل إليه من يغتاله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة
خرج من مكة في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة ـ يوم التروية ـ سنة 60 هـ بعد أن خطب فيها معلناً دعوته
دخل العراق في طريقه إلى الكوفة ولازمه مبعوث ابن زياد ـ الحر بن يزيد الرياحي ـ حتى أورده كربلاء
وصل كربلاء في اليوم الثاني من المحرم سنة 61 هجرية
وما إن حط رحله بكربلاء حتى أخذت جيوش ابن زياد تتلاحق حتى بلغت ثلاثون ألفاً


الخلــق العظيــم


الكريــم السخــي:

1- جاء إلى الإمام الحسين (عليه السلام) أعرابي فقال: يا بن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس. وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال له الحسين (عليه السلام): (يا أخا العرب، أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل).
فقال الأعرابي: أمثلك يسأل مثلي، وأنت من أهل العلم والشرف!؟
فقال الحسين (عليه السلام): (بلى، سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: المعروف بقدر المعرفة).
فقال الأعرابي: سل عما بدا لك، فإن أجبت وإلاّ تعلمت منك، ولا قوة إلاّ بالله.
فقال الحسين (عليه السلام): (أي الأعمال أفضل؟).
فقال الأعرابي: الإيمان بالله.
فقال الحسين (عليه السلام): (فما النجاة من الهلكة؟).
فقال الأعرابي: الثقة بالله.
فقال الحسين (عليه السلام): (فما يزين الرجل؟).
فقال الأعرابي: علم معه حلم.
فقال (عليه السلام): (فإن أخطأه ذلك ؟).
فقال: مالٌ معه مروءة.
قال: (فإن أخطأه ذلك؟).
فقال: فقرٌ معه صبر.
فقال الحسين (عليه السلام): (فإن أخطأه ذلك؟).
فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فإنه أهل لذلك.
فضحك الحسين (عليه السلام) وأعطاه صرّة فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه، وفيه فص قيمته مئتا درهم، وقال: (يا أعرابي ! أعط الذهب إلى غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك ).
فأخذ الأعرابي ذلك وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته(1).
2- قال أنس بن مالك:
كنت عند الحسين (عليه السلام)، فدخلْت عليه جارية فحيَّته بطاقة ريحان فقال لها: (أنت حرة لوجه الله).
فقلت تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها ؟!
قال: (كذا أَدَّبنا الله، قال: (وإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِاَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ)[سورة النساء: الآية 86] وكان أحسن منها عتقها)(2).
3- وجاء إليه أعرابي - فأنشده مقطوعة شعرية بيَّن بها حاجته فقال:
لم يَخِب الآنَ مَن رَجاك ومَن = حرَّك من دون بابك الحلقــه
أنت جوادٌ، وأنت معتمــــــــدٌ = أبوك قد كان قاتل الفسقــــه
لولا الذي كان من أوائلكـــــم = كانت علينا الجحيم منطبقه
وكان الحسين يصلي آنذاك فلما فرغ من صلاته، لف على طرف رداء له أربعة آلاف دينار ذهب، وناوله قائلاً:
خذها فإِني إليــك معتـــــــــذرٌ = واعلــمْ بأني عليك ذو شفقــه
لو كان في سرِّنا الغـداة عصاً = كانت سمانا عليــــك مندفقـه
لكنَّ ريب الزمـان ذو غِيَـــــــرٍ = والكفُّ مني قليلةُ النفقــــــه
فأخذ الأعرابي يبكي شوقا، ثم تصعدت من أعماقه آهات حارة، وقال: كيف تبلى هذه الأيدي الكريمة ؟




الزاهد العابد:

كان الحسين (عليه السلام) يحج كل سنة، إلاّ إذا حالت دون ذلك الظروف. وكان يمشي على قدميه إذا حج، وتقاد بجانبيه عشرات الإبل بغير راكب، فيتفقد كل مسكين فقير، صفرت يداه عن تهيئة راحلة للحج، فيسوق إليه الراحلة من الإبل التي معه.
وكان يصلي كل ليلة ألف ركعة، حتى سئل نجله الإمام زين العابدين (عليه السلام): ما بال أبيك قليل الأولاد؟. فأجاب: (إنه كان يصلي في كل ليلة ألف ركعة، فمتى يحرث).


هذه مجموعة من الشعر القيم


والنظم الرائع له (عليه السلام)، وجلها في المواعظ والأخلاق والمكارم والفخر، ومن بينها ما أنشده (عليه السلام) في يوم عاشوراء، في ذلك الموقف الرهيب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تمكنه (عليه السلام) من هذه الصناعة، وتضلعه في هذا الفن.
نذكر من ذلك:


1- قال (عليه السلام) في الحث على الجود:
على الناس طراً قبل أن تتفلت =إذا جادت الدنيا عليك فجد بها
ولا البخل يبقيها إذا ما تولت =فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت

تغن عن الكاذب والصادق = اغن عن المخلوق بالخالق
فليس غير الله من رازق = واسترزق الرحمن من فضله
فليس بالرحمن بالواثق = من ظن أن الناس يغنونه
زلت به النعلان من حالق = أو ظن أن المال من كسبه


3- وقال (عليه السلام) في الزهد في الدنيا:
زيد في همه وفي الاشتغال = كلما زيد صاحب المال مالاً
ويا دار كل فان وبال = قد عرفناك يا منغصة العيش


4- وقال (عليه السلام) لما زار مقابر الشهداء بالبقيع:
فأجابني عن صمتهم ندب الحشا = ناديت سكان القبور فأسكتوا
مزقت جثماناً وخرّقت الكسا =قالت أتدري ما صنعت بساكني
كانت تأذى باليسير من القذا = وحشوت أعينهم تراباً بعد ما
حتى تباينت المفاصل والشوى = أمّا العظام فإنني مزقتها
فتركتها مما يطول بها البلى =قطعت ذا من ذا ومن هذا كذا

5- وقال (عليه السلام) في الإعراض عن الدنيا:
فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل = لئن تكن الأبدان للموت أنشئت
فقلة سعي المرء في الكسب أجمل=وإن تكن الأموال للترك جمّعت


وفاتــــــــــه :


استشهد هو وأهل بيته وأصحابه في اليوم العاشر من المحرم سنة 61 هـ
حمل رأسه الشريف إلى الكوفة في ليلة الحادي عشر من المحرم
حملت عائلته من كربلاء في اليوم الحادي عشر وجيء بهم إلى الكوفة سبايا، ثم حملوا منها إلى الشام.
دفنه ابنه زين العابدين (عليه السلام) في اليوم الثالث عشر من المحرم.







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-09-2005 الساعة 12:39 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 08:53 AM رقم المشاركة : 6
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

على زين العابدين بن الحسين بن علي عليهما السلام


ليس في تاريخ هذا الشرق، الذي هو مهد النبوات من يضارع الإمام زين العابدين (عليه السلام) في ورعه وتقواه، وشدة إنابته إلى الله، اللهم إلا آباؤه الذين أضاءوا الحياة الفكرية بنور التوحيد، وواقع الإيمان.

لقد حكت سيرة هذا الإمام العظيم سيرة الأنبياء والمرسلين، وشابههم بجميع ذاتياتهم، واتجاهاتهم، فهو كالمسيح في زهده وإنابته إلى الله، وكالنبي أيوب في بلواه وصبره، وكالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في صدق عزيمته وسمو أخلاقه، فهو زين العابدين ولم يُمنح لأحد هذا اللقب سواه.

وبرز الإمام زين العابدين (عليه السلام) على مسرح الحياة الإسلامية كألمع سياسي إسلامي عرفه التاريخ، فقد استطاع بمهارة فائقة أن ينهض بمهام الإمامة وإدامة نهضة أبوه الإمام الحسين (عليه السلام)، برغم ما به من قيد المرض وأسر الأمويين. لقد حقق الإمام (عليه السلام) هذه الانتصارات الباهرة من خلال خطبتين ألقاها على الجماهير الحاشدة في الكوفة وفي الشام والتي كان لها الأثر البالغ في إيقاظ الأمة وتحريرها من عوامل الخوف والإرهاب.

لقد كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) من أقوى العوامل في تخليد الثورة الحسينية، وتفاعلها مع عواطف المجتمع وأحاسيسه، وذلك بمواقفه الرائعة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في دنيا الشجاعة والبطولات، وظل يلقي الأضواء على معالم الثورة الحسينية، ويبث موجاتها على امتداد الزمن والتاريخ. وكان من مظاهر تخليده للثورة الحسينية كثرة بكائه على ما حل بأبيه وأهل بيته وأصحابه من أهوال يوم الطف، وكان لهذا الأسلوب الأثر الكبير في نفوس المسلمين وفي تحرير الإنسان من الظلم والعبودية والطغيان ورفضهما.

وكان للإمام زين العابدين (عليه السلام) الدور الكبير في إنارة الفكر الإسلامي بشتى أنواع العلوم والمعارف، وقد دعا ناشئة المسلمين إلى الإقبال على طلب العلم، وحثهم عليه، وقد نمت ببركته الشجرة العلمية المباركة التي غرسها جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأقبل الناس بلهفة على طلب العلم ودراسته فكان حقاً من ألمع المؤسسين للكيان العلمي والحضاري في دنيا الإسلام.

أما الثروات الفكرية والعلمية التي أثرت عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإنها تمثل الإبداع والانطلاق والتطور، ولم تقتصر على علم خاص، وإنما شملت الكثير من العلوم كعلم الفقه والتفسير وعلم الكلام، والفلسفة وعلوم التربية والاجتماع، وعلم الأخلاق الذي اهتم به الإمام (عليه السلام) اهتماماً بالغاً، ويعود السبب في ذلك إلى أنه رأى انهيار الأخلاق الإسلامية، وابتعاد الناس عن دينهم من جراء الحكم الأموي الذي حمل معول الهدم على جميع القيم الأخلاقية فانبرى عليه السلام إلى الإصلاح وتهذيب الأخلاق.

إن المثل التي نشرها الإمام السجاد (عليه السلام) تبهر العقول وتدعو إلى الاعتزاز والفخر لكل مسلم بل لكل إنسان يدين للإنسانية ويخضع لمثلها وقيمها.

ومن الحق أن يقال أن هذا الإمام الملهم العظيم ليس لطائفة خاصة من الناس، ولا لفرقة معينة من الفرق الإسلامية دون غيرها، وإنما هو للناس جميعاً على اختلاف عصورهم، بل وعلى اختلاف أفكارهم وميولهم واتجاهاتهم، فإنه سلام الله عليه يمثل القيم الإنسانية والكرامة الإنسانية، ويمثل كل ما يعتزّ به هذا الإنسان من الكمال والآداب، وسمو الأخلاق وكان المسلمون يرون في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) تجسيداً حياً لقيم الإسلام وامتداداً مشرقاً لجده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فهو يحكيه في منهجه وسيرته ومآثره وقد ملك القلوب والعواطف بأخلاقه الرفيعة، وكانوا لا يرون غيره أهلاً لقيادتهم الروحية والزمنية، ولهذا عمدوا إلى اغتياله كما اغتالوا غيره من أئمة المسلمين، وأعلام الإسلام من الذين يشكلون خطراً عليهم.






مولـــــــــــــــــده:


هو أبو الحسن بن الحسين المعروف ( بزين العابدين ) ولد 15جمادى الأول سنة 38 هـ بالمدينة المنورة.
أمه شهر بانو بنت كسرى يزد جرد واسمها جهان شاه . نص عليه بالامامه أبان معارك كربلاء . حاول بعض ألاثمين الموتورين القضاء عليه بعد استشهاد أبيه في معركة كربلاء وهو يقاسى مرضا شديدا ولكن أين لهم ذلك بعد أن أصبح صاحب السر الخفي ( أيريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متمم نوره ولو كره الكافرون )
بعد انتهاء معركة كربلاء اقتيد أسير مغلولا بالحديد مع النساء والصبيان إلى الكوفة حيث عرضوا جميعا على ابن زياد .
- سأله ابن زياد ما أسمك : قال أنا العلي ابن الحسين
- قال ابن زياد : ألم يقتل الله علي ابن الحسين ؟
- قال علي : كان لي أخا يسمى عليا قتله الناس .
- قال ابن زياد : الله قتله .
- قال علي : الله يتوفى الأنفس حين موتها ، ومكان لنفس أن تموت إلا بأذن الله . فأدهشت جرأته وشجاعته ابن زياد فأخذته عزة الاثم فصاح الخبيث اللعين بجنده وكأنه لم يكتفي بما فعل :أخرجوا به فأضربوا عنقه .
- فقال علي : من يتوكل بهولاء النسوة إذا قتلتني ؟
فتعلقت به عمته زينب وهى تقول أقتلنا معه إذا كنت تريد قتله. ولأمر يريده الله أرتد الخبيث مشدوها من تلك البطولة النادرة والتضحية الفذة .
وقال: دعوه لما به لعل العلة ستقضى عليه .
وأمر فغل بغل إلى عنقه وأرسل مع النسوة إلى يزيد . ولم يكلم احد طوال الطريق حتى وصلوا دمشق ولما علم يزيد بوصولهم دعا أشراف الشام وأجلسهم حوله ثم ادخل العلي ابن الحسين مغلولا ففك الأغلال عن عنقه وقال له : يا علي ! أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله به ما رأيت .
فقال علي : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها . إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فآتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) سورة الحديد الايه ( 22 ، 23)
فقال يزيد لابنه خالد ( وكان ابن يزيد اكبر من علي سنا ) أردد عليه يا بنى . فما عرف خالد ما يقول فسكت يزيد وأبنه . وليس هذا بغريب على الامام زين العابدين .
فطلب أحد الحضور أن يهبه يزيد سيده من آل البيت وهى ( فاطمة بنت الحسين ) فقالت له زينب : كذبت ولؤمت ما ذاك لك وله . وألح ثانيه فقال له يزيد: أغرب وهب الله لك حتفاً قاضياً .
وطلب يزيد من علي أن يصعد المنبر فيخطب معتذرا إلى الناس عما كان من أبيه .فصعد المنبر رابطا الجأش ،رافعا الرأس ،موفور الكرامة، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي.
أنا علي ابن الحسين ، أنا ابن البشير النذير أنا ابن الداعي إلى الله بأذنه ، أنا ابن السراج المنير ،...... إلى أخر الخطبة
)
ويظهر أن يزيد قد ندم على ما جنته يداه وأحب أن يكفر عما فاته فطلب من النعمان بن بشير واليه على الكوفة سابقاً أن يصحب أهل الحسين إلى المدينة وأن يحسن حالهم .
وعندما ودع يزيد الامام علي زين العابدين قال ( لعن الله ابن مرجانه أما والله لو أنى صاحب أبيك ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن الله قضى ما رأيت يا بنى ، كاتبني من المدينة وأطلب كل حاجة تكون لك ).
ولكن ماذا ينفع الندم بعد تلك الجريمة النكراء التى أقترفها ذلك الفاجر .
وقيل بأن يزيد كساهم وأوصى بهم النعمان فخرج بهم ومعه ثلاثون فارس وساروا حتى دخلوا المدينة فاستقبلوا استقبالا تفتتت لهوله الأكباد بالبكاء والعويل وخرجت النساء من أهل المدينة وإحداهن ثائرة شعرها وهي تقول :
ماذا تقولون إن قال النبي لكم = ماذا فعلتم وأنتم أخر الأمم
بعترتى وأهلي بعد مفتقدي = منهم أساري وقتلى ضرجوا بدم

وقد عول الامام زين العابدين على الإقامة في مكة لينشر دعوته سراً فيها وأوفده دعاته المخلصين إلى الأقطار والأمصار وكانت أكثر شيعته تقطن العراق وفارس ،
و لبث الامام زين العابدين طوال إقامته في مكة مراقباً من الولاة الأمويين حتى أعلن موت يزيد في العاشر من صفر سنة 64 هجرية ودفن في حوارين .
وقد مر احد الشعراء على حوارين بعد موت يزيد فشاهد قبره فيها فقال :

أيها القبر بحوارينا = ضممت شر الناس اجمعينا

ويكفى لذكر مكانة الامام علي زين العابدين أن نذكر القصة التاريخية الآتية : لما حج هشام بن عبدالملك في عهد أبيه وطاف بالبيت الحرام وحاول أن يلمس الحجر الأسود لم يستطع لكثرة الازدحام فبينما هو كذلك إذ أقبل الامام علي زين العابدين فطاف بالبيت حتى إذا ما وصل للحجر الأسود انشقت له الصفوف ومكنته من لمس الحجر الأسود فقال رجل من أهل الشام لهشام من هذا الذي خافه الناس؟ فخاف هشام أن يذكر أسمه فقال : لا أعرفه ، وكان الشاعر الاسماعيلي الكبير الفرزدق حاضراً قال أنا أعرفه وأنشد قصيده المشهورة

لما سمع هشام هذه القصيدة العصماء غضب غضباً شديداً وصغر في عيون الجمع وأن يحبس الشاعر بين مكة والمدينة
.

نســــــــاؤة وبنــــــيه :


تزوج فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب فولد حسن وحسيناً لا عقب لهما وأبا جعفر محمد الباقر ، عبدالله ومن أم أخرى ولد زيد وعمر وعلياً وخديجة ومحمد الأوسط وعبد الرحمن وسليمان والقاسم وحسين الأصغر وعددهم ثلاثة عشر أعقب منهم ستة والباقين لا عقب لهم .


وفاتـــــــــــــه:


وتوفي الامام زين العابدين بعد أن نص على إمامة ولده محمد الباقر ودفن في روضة البقيع في قبر عمه الحسن بن علي سنة 94 للهجرة وكان عمره 57 عاماً .
واشتهر بالزهد والعبادة والورع والتقوى ولذلك لقب بزين العابدين







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 12:55 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 08:57 AM رقم المشاركة : 7
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام محمد البا قـــــــــــر عليه السلام



فرعٌ من فروع الدوحة النبوية الشريفة، هو من النادرين في تاريخ الأرض وقد تميز تميزاً واضحاً يلفت النظر إلى الشكل والمضمون في العلوم التي بقرها، كأنه من نسيج الفضاء، لا تحده حدود، إنه محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام). لبس درع الرسالة الإسلامية فوجد في كل حلقة فيه نبضة قلب تتفجر عزيمة، والعزيمة تشع كضوء يتماوج بألف لون ولون. ثم نظر إلى موقع قدميه فلمح كوة تتفتح على الجنة فيها آباؤه وأجداده الأطهار، ورفع بصره إلى فوق فإذا بنسمة عريضة من الفم الملائكي وكأنها تقول له: سر في درب الحق وأسرع في العطاء النبيل الجليل فأنت محوط بالعناية الإلهية.

نقف بإجلال وتقدير كبيرين عند إشراقة من حياة الإمام الخامس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عند أبي جعفر (عليه السلام) مجمع الفضائل، منتهى المكارم سبق الدنيا بعلمه وامتلأت الكتب بحديثه، وليس من نافلة القول في شيء إن قلنا أن الإمام أبا جعفر كان من أبرز رجال الفكر ومن ألمع أئمة المسلمين، ولا غرو من أن يكون كذلك بعد أن سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالباقر في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، لأنه بقر العلم بقراً، أي فجّره ونشره فلم يُروَ عن أحد من أئمة أهل البيت، بعد الإمام الصادق (عليه السلام)، ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، فها هي كتب الفقه والحديث والتفسير والأخلاق، مستفيضة بأحاديثه، مملوءة بآرائه فهو يغترف من معين واحد: كتاب الله وسنة رسوله، وما أودع الله من العلم اللّدُنيّ بصفته من أئمة الحق وساسة الخلق وورثة الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله).

كان الإمام الباقر (عليه السلام) الرائد والقائد للحركة العلمية والثقافية التي عملت على تنمية الفكر الإسلامي، وأضاءت الجوانب الكثيرة من التشريعات الإسلامية الواعية التي تمثل الأصالة والإبداع والتطور في عالم التشريع.

لقد ترك الإمام الباقر (عليه السلام) ثروة فكرية هائلة تعد من ذخائر الفكر الإسلامي، ومن مناجم الثروات العلمية في الأرض وفتق أبوابها، وسائر الحكم والآداب التي بقر أعماقها، فكانت مما يهتدي بها الحيران، ويأوي إليها الضمآن، ويسترشد بها كل من يفيء إلى كلمة الله. لقد كانت حكمه السائرة وآدابه الخالدة من أبرز ما أثر عن أئمة المسلمين في هذا المجال، فقد ملأت الفكر وعياً وأترعت القلب إيماناً ومكنت النفس ثقة وصقلت الروح جلالاً وصفاءً.

وللإمام الباقر (عليه السلام) الدور العظيم في تفسير القرآن الكريم فقد استوعب اهتمامه فخصّص له وقتاً، ودوّن أكثر المفسرين ما ذهب إليه وما رواه عن آبائه في تفسير الآيات الكريمة.

نعم إن الظروف التي مرّت على الإمام الباقر (عليه السلام) كانت مواتية، فاستغل (عليه السلام) هذه الفرصة الذهبية ونشر ما أمكنه نشره من العلوم والمعارف، فأتمّ ما كان والده قد أسّسه.

وهكذا كانت هذه الكواكب من آهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) كواكب مشرقة على مفارق الطرق، كل واحد منهم قام بدوره على أكمل وجه وفي ظروفه وأوضاعه.

وقد وقف الإمام الباقر (عليه السلام) حياته كلها لنشر العلوم الإسلامية ونشر المثل الإنسانية بين الناس، وعاش في يثرب كالينبوع الغزير يستقي منه رواد العلم من نمير علومه وفقهه ومعارفه، عاش لا لهذه الأمة فحسب، وإنما عاش للناس جميعاً.



مولــــــــده:


ولد أبو جعفر محمد بن علي زين العابدين المعروف ( بالباقر ) سنه 57 هــ في المدينة المنورة وأمه أم عبدالله فاطمة بنت الحسين ابن الحسن ابن علي بن أبى طالب . كان عالما كبيراً و فقيهاً مرموقا وحجة يأتيه الناس أفواجا .
حيث يحكى إن رجلا سأله يوما سؤالاً فيه شيئا من الطرافة :

- هل ورث النبي جميع علم الأنبيـــــــــــاء ؟
- قال الامام الباقــــــر : نعـــــــــــم .
- قال : هل ورثتــــــــها أنت !!
- فقال الباقر : نعــــــــــم .
- قال : وهل تستطيع أن تحيي الميت وتبرئ الأعمى ؟
- قال : نـــــــــــعم بأذن الله تعالى. ومسح بيده على عين رجل فعمي ثم أعاد له بصــــــــره .

وكان الامام الباقر يبحث شتى العلوم ويعرف الغيب وتنسب له أحدى وثلاثون معجزه منها :
يحكى إن رجلا جاءه يوما وهو شديد الحاجة وأن أباه دفن مالا وأخفاه عنه ومات دون أن يعلم به احد.فكتب له الامام كتابا ً سلمه إياه وقال له : اذهب بهذا الكتاب الليلة إلى البقيع حتى تتوسطه ثم ناد ( يا درجان ) فيأتيك رجل فسأله عما بدا لك وقل له أنا رسول الامام الباقر ، ففعل الرجل ما أمر به وطلب أباه فجئ به وقد غيره اللهب ودخان الجحيم فأعترف الوالد بذنبه وأخبره بمكان الماء وأمر أن يدفع للإمام الباقر خمس ذلك المال وقدره خمسين ألف دينار .
وروى إن الامام الباقر جاء وادي فيروز فأمر أن تنصب له خيمة وعمد إلى نخلة يابسة هناك فدعا الله ثم تمتم بكلمات لم يسمعها أحد وقال أيتها النخلة أطعمينا مما جعل الله فيك فأثمرت النخلة من ساعتها وسقط عليه الرطب فأكل وأكل معه أبو أمية الأنصاري ، فقال له الامام يا أبا أمية هذه معجزة مريم فقد هزت جذع النخلة فتساقط عليها رطباً جنياً ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً )


( لماذا لقب بالباقر..؟؟)


لتبــــــــقره بالعلم وتعمقه فيه.



نساؤه وبنيه :


تزوج أم فروة بنت القاسم بن محمد فكان منها جعفر الصادق ( أعقب ) وعبدالله وابراهيم وعبيدالله (لا عقب لهم ).


وفاتــــــــــــــــــه:


توفي في السابع من ذو الحجة سنة 114 هـ وكان عمره خمسون عاما في الحميه ونقل جثمانه إلى المدينة المنورة ودفن في روضة البقيع.







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 12:58 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:05 AM رقم المشاركة : 8
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام جعفر الصادق عليه السلام


نحن أمام بحر طامٍ عمّ جوده وبدرٍ سام أشرق وجوده، نحن أمام شمس المعارف الكبرى وأستاذ الأئمة وقائد جميع الأمة، الذي لم يُرَ إلا صائماً أو قائماً أو قارئاً للقرآن.

نسب أزهر في التاريخ فحول الصحاري إلى أزاهير، وحَسَبٌ تجاوز في علوّه المريخ فسطعت منه المجامير، وعزمٌ فلّ به حراب الدهر وحلم ملأ به إهاب الفخر، وبحر بعيد قعره، زخّار موجه، يفيض عطاءً دون توقّف، حتى شهد بفضله القاصي والداني مسحت شمس هُداه دياجير الجهل وأضاءت تعاليمه كل حنايا الروح والعقل.

منهله عذب لروّاده، ومنتج لقصّاده. يزدحم أهل الفضل في رحابه، ويشرفون بتقبيل أعتابه. والكل يرجعون بطاناً مرويّين يشهدون بقوة حجته وشدة عارضته، يذعنون له تسليماً واطمئناناً، ويعترفون بمرجعيته تقديراً واحتراماً.

لقد مني الإمام الصادق (عليه السلام) بعصر أقلّ ما فيه أنه عصر الاتجاهات غير المتجانسة فكان (عليه السلام) يجمع بين المتفرقات ويفرق بين المجتمعات.

مدرسة سيارة ولكنها شاملة ومستوعبة لكل ما تحتاجه الأئمة في حاضرها ومستقبلها معبّراً عن طموحها وتطلعاتها.

والده بقر العلم بقراً وأورثه ما عنده من أدب كأحسن ما يرام، حتى بزّ الأولين والآخرين عدا ما استثني، فإن الله تبارك وتعالى سخّره لإكمال السلسلة وقيادة المرحلة. يهدي التائهين من جانب، ويعلم الجاهلين من جانب آخر. يخاطب الناس على قدر عقولهم ويؤدبهم بحسب استعدادهم، يظهر على الزنادقة فيطبّعهم، وعلى الفياهقة فيطوّعهم. وكم نصبوا له المكائد ليوقعوه فيها ولكنه كان أحذر وأجرأ من أسد.

يعالج الأمور بحكمة علي وصبره، وقوة الحسين وجهاده، له من جدّه النبي محمد (صلى الله عليه وآله) المثل الأعلى والقدرة الحسنى، لم تغرّه بهارج الدنيا وزينتها، ولم يجرِ إلى بعض مزالقها. وأثبت أنه الأعلم والأفقه، بل الأستاذ الأوحد في تلك الدنيا التي كثر فيها العلماء وكانوا ظاهرتها الأبرز.

والإمام الصادق (عليه السلام) استطاع بواسع علمه ورحابة صدره أن يستوعب الجميع ويعلم الأئمة المتأخرين، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ويثبت أستاذيته للمدارس الفكرية والجامعات العلمية كلها، حتى أصبح حديث الناس وشغلهم الشاغل. ولشدة إقبال الناس إليه وتتلمذ العلماء عليه وتأسيسه المدارس وتخريجه العلماء نسب المذهب الجعفري إليه، وانعطف الموالون لأهل البيت إليه مع أنه جزء من السلسلة المباركة. لكن الوضوح الذي حدث في عصره والانتصار الثقافي الكبير الذي حققه جعل الاتجاه الثقافي والإعلامي يميل نحوه بالخصوص. وبعبارة صريحة كان ينشر مذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بصِيَغ متطورة كحاضر سعيد ومستقبل اجتماعي متقدم.

إن الأقوال والنعوت التي تُبرز دور الإمام الصادق (عليه السلام) وتظهر علوّ مقامه وسموّ فضله قد صدرت عن كبار علماء الإسلام من شتى الفرق والمذاهب، وما زالت آثارها باقية حتى الآن، والحوزات العلمية اليوم هي امتداد لتلك الحوزة العلمية العظيمة، ومن تراث ذلك الإمام الهمام.

والإمام الصادق هو صاحب مدرسة عظيمة جداً مدت جذورها عمق التاريخ وبقيت مباركة طيبة، أصلها راسخ في الأرض وفروعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

وصاحب هذه المدرسة وحده موسوعة علمية، تقف وراء طاقاته التكوينية المتينة أسباب جليلة ساهمت جميعها في شحن المعارف الواسعة إلى فكره المركّز، وإرادته المعتصمة بالمران الأصيل.

وكانت تلك المعارف والطاقات المباركة كلها تصب في بوتقة واحدة هي بوتقة بناء مجتمع صالح وفرد يعيش حرية الفكر وحرية الإنسانية وعبودية الباري عز وجل.



مولـــــــــده:


ولد أبو عبدالله جعفر بن محمد الباقر المعروف ( بالصادق ) في السابع عشر من ربيع الأول سنة 83هـ في المدينة المنورة أمه فروة بنت القاسم بن محمد ، كان كثير الاحترام لأمه ، عاش بعيداً عن غمار السياسة ومتاعبها ما جعله بعيداً عن اضطهادات الأمويين والعباسيين.
ويذكر المسعودي إن أبا سلمه احد دعاة العباسيين في خرسان قد خاف انتفاض الأمر اثر قتل مروان الثاني لإبراهيم فقرر الرجوع إلى آل أبي طالب وبعث بكتاب إلى الامام جعفر الصادق يطلب منه الشخوص إليه ليصرف الدعوة له ، فلما وصل الرسول ليلاً سلم الكتاب للإمام جعفر الصادق فطلب أن يأتوه بسراج ثم اخذ كتاب أبي سلمه فوضعه على السراج حتى احترق وقال للرسول ( خبر صاحبك بما رأيت ) ثم قال :


أيا موقداً ناراً لغيرك ضوؤها = ويا حاطباً في غير حبلك تحطب

وكان الامام جعفر الصادق عالماً في الدين والفلسفة والفقه والكيمياء ومن تلامذته المشهورين ( جابر بن حيان)
الامام جعفر الصادق كان ذا علم غزير في أصول الدين وأدب كامل في الحكمة وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات وقد أقام بالمدينة مدة يفيض على الموالين له أسرار العلوم ثم دخل العراق وأقام بها مدة فما تعرض للخلافة قط ولا نازع أحداً عليها وعلق على قوله:

( من غرق في بحر المعرفة لا يطمع في شط ، ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لا يخف من حط )


و جعل الامام جعفر الصادق مركزه العلمي في المدينة ومكة .
وبالرغم من أن الامام جعفر الصادق ابتعد عن السياسة فإنه لم يعش في سلام مستمر يحكى إن الخليفة المنصور قد وجه إلى والي المدينة أمراً ليحرق على الامام داره فأخذت النار في الباب والدهليز فخرج الامام يتخطى النار ويمشي فيها ويقول أنا ابن أعراق الثرى أنا بن إبراهيم خليل الله.

وكثير من أحاديث الإمامة تروي عن الامام جعفر الصادق وأهمها ما رواه عن الامام علي بن طالب عليهم السلام في كيفية خلق العالم وكيف تم انتقال النور من آدم عليه السلام إلى محمد صلــــ الله عليه وآله وسلم ـــى.
- قال : ثم انتقل النور إلى غرائزنا ، ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض فينا النجاة ومنا مكنون العلم وإلينا مصير الأمور ...الخ...

كان الامام الصادق أعظم الشخصيات الإسلامية في عصره وبعد عصره أوجدت مدرسة خاصة في الإسلام كان لها تأثير متباين في التيارات الفكرية والإسلامية المختلفة هذا عدا عن مناهج العلوم الكونية المستمدة في توجيهها من الروح الإسلامية والفلسفة اليونانية.

وإذا ما افتخرت المدينة الغربية بالثـقافة الإنسانية للأوائل فليس علينا نحن إلا أن نفتخر أيضاً بالنزعة الإنسانية التى أوجداها التيار الإسلامي الذي تغذى من الاسماعيلية ووضع أسسه الامام جعفر الصادق وصاحب أول نداء انبعث من الأعماق لأجله بل الصرخة الداوية لإيقاظ رسالة الإنسان الكاملة في معانيها الرقيقة ومطالبها السامية ولقد جعل الإنسان محور القيم ومفسر معالم الكون من الوجهة الإنسانية.


وعن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال :


(أنا من نور الله نطقت على لسان عيسى بن مريم في المهد فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل وموسى ويوشع وعيسى وشمعون ومحمد كلنا واحد من رآنا فقد رآهم نحن أبواب الله وحججه وأمناؤه على خلقه وخلفاؤه وأئمة دينه ، ووجه الله وجبينه وأمره وصراطه بنا يعذب وبنا يثيب.. أنا أحيي وأميت وأرزق وأبري الأكمة والأبرص وأنبئكم بما تأكلون وتدخرون في بيوتكم بإذن ربي وكذلك الأئمة المحقون من ولدي لأنا كلنا شيء واحد يظهر في كل مكان ولقد أعطانا الله ما هو أعلى وأجل ، أعطانا الاسم الأعظم الذي لو شئنا لوجهنا السماء وأطاعتنا الشمس والقمر والنجوم والدواب ومع هذا فأنا نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق ونعمل ما نشاء بأمر الله ربنا عباد مكرمون لا يسبقونه في بالقول وهم بأمره يعملون)


نساؤه وبنيه :


تزوج الامام جعفر الصادق فاطمة بنت الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب فكان منها اسماعيل ( اعقب ) وعبدالله ( لا عقب له ) وكان من زوجته الثانية أم ولد محمد واسحاق وموسى وعلي والعباس.


وفاتـــــــــــــه:


توفي في الخامس عشر من شوال سنة 148 هجرية ودفن في البقيع بالمدينة المنورة إلى جانب أبيه وجده وعلى قبورهم رخامة كتب عليها :

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله مبيد الأمم ومحي الأمم ، هذا قبر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدة نساء العالمين وقبر الحسن بن علي بن ابي طالب وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومحمد بن علي وجعفر بن محمد رضي الله عنهم







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 01:04 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:12 AM رقم المشاركة : 9
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام اسماعيل بن جعفر الصادق عليهما السلام


مولــــــــــــــده:


ولد الامام اسماعيل بن الامام جعفر الصادق في المدينة المنورة والدته هي فاطمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
هو الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق وأحبهم إليه وصاحب النص الأمامي والقائم فيه في حياة أبيه عندما كان له من العمر 35 سنة وإليه ينتسب الإسماعيليون وتغلب عليهم اسمه.

بعد وفاة الامام جعفر الصادق في عام 148هجرية حدث انشقاق كبير في شيعته فانقسمت إلى فريقين : فريق نادى بأفضلية اسماعيل لمركز الإمامة وفريق اعتبر موسى الكاظم الابن الأصغر للإمام جعفر الصادق إماما وأبناءه من بعده حتى الامام محمد بن الحسن العسكري الذي يطلقون عليه لقب 0 المهدي المنتظر )وهم ينتظرون عودته بعد أن اختفى بسرداب في مدينة سامراء سنة 260هجرية وتعرف هذه الفرقة بالا ثنى عشرية.
وتدور حول هذا الانشقاق قصص وأحاديث كثيرة لا بد لنا من الإتيان على ذكر بعضها يقول المقريزي : إن اسماعيل هو الابن الأكبر للإمام جعفر الصادق وهو الذي نص عليه بالامامه في حياة أبيه غير أن اسماعيل توفي سنة 138هجرية والإمام جعفر الصادق والده لا يزال على قيد الحياة . وخلف من الأولاد محمداً وعلياً وفاطمة وانتقلت الامامه في عقبه لأن النص لا يرجع القهقرى.
وقال ابن خلدون :
توفي اسماعيل في حياة أبيه بالعريض في المدينة المنورة ودفن بالبقيع في سنة 145هجرية ، وقد سبب موته قبل وفاة أبيه اضطرابا كبيراً عند الشيعة أجمعين مما أدى إلى تضارب الآراء فيما يتعلق بطبيعة الإمامة وبسبب هذا الخلاف حدث انقسام كبير بين الشيعة فنشأت فرق وطوائف متعددة.
وقال الشهرستانى :
أن الامام اسماعيل هو الأبن الأكبر للأمام جعفر الصادق وهو الذي نص عليه في بدء الأمر ولقد حدث الاختلاف على موته منهم من قال أنه مات في حياة أبيه ، وفائدة النص عليه ان انتقلت الامامه في عقبه لأن النص لا يرجع القهقرى ، والقول بالبدء محال إذ لا ينص الامام على واحد من ولده إلا بعد السماع من آبائه ، والتعين لا يجوز على الابهام والجماعة.

ومنهم من قال ان اسماعيل لم يمت لكن أظهر موته تقية عليه حتى لا يقصد بالقتل من قبل العباسيين ولهذا القول دلالات منها :
أن محمد بن جعفر الصادق أخو اسماعيل وكان صغيراً مضى إلى السرير الذي كان اسماعيل مسجى عليه ورفع الملاءة فأبصره وقد فتح عينيه، فعاد محمد مسرعاً فزعاً إلى أبيه وقال : أخي اسماعيل عاش، عاش أخي . فقال والده جعفر الصادق : أن أولاد الرسول كذا يكون حالهم في الآخرة يا بنى‍!

وقال البعض :
إذن ما السبب في الأشهاد على موته وكتب المحضر عليه ، ولم يعهد قط أن سجل محضر على موت ميت .
وقيل أن الامام اسماعيل شوهد في البصرة وقد مر على مقعدٍ فدعا له فبريء بإذن الله ولما وبلغ الأمر ( المنصور ) الخليفة العباسي أرسل إلى الامام جعفر الصادق يخبره أن اسماعيل لا يزال على قيد الحياة وأنه شوهد بالبصرة .
فأنفذ الامام الصادق ( سجل الوفاة ) إلى المنصور وعليه شهادة عامله التى تؤكد وفاة الامام اسماعيل.

ويقول عبدالله أمرتضى في الفلك الدوار صفحة 125:
إن الامام اسماعيل ما لبث بعد النص عليه بالامامه سوى زمن وجيز حتى توفي فترك زوجة حاملاً بـ ( محمد الحبيب ) ولقد ألقي على هذا الامام وهو لا يزال ( في بطن أمه ) سر الامامه ، وبعد وفاة اسماعيل أتى أخوه موسى إلى أبيه الامام جعفر قائلاً : قلدني الامامه بعد أخي فأجابه : ( أكظم يا موسى )...الخ

أما الداعي إدريس فيقول :
إن موسى الكاظم لم يجعله الصادق إماما إلا ستراً على ولي الأمر ( محمد بن اسماعيل ) ليكتم أمره عن الأضداد ، ولئلا يطلع على ما خص به أهل العدواة والعناد ، حتى يستطيع الامام المستقر الحقيقي وهو الامام محمد بن اسماعيل النهوض بأعباء الدعوة الاسماعيلية سراً.

وقيل أن الامام اسماعيل قد أوصى قبل موته أباه بتعين وصياً على ( محمد بن اسماعيل ) ليكون ستراً عليه الذي هو (ميمون) الستر عليه وكفيله وكان هذا مصداقاً لقوله تعالى ( وجعلها كلمة باقية في عقبه )

وبعد هذه الآراء حول إمامة اسماعيل بعد أن نص عليه وأصبح ولياً للعهد فأمره أن يستتر وكان ذلك عام 145هـ خشية نقمة الخلفاء العباسيين وتدب الأمر بان كتب محضراً بوفاته وشهد عليه عامل المنصور الذي كان بدوره من الإسماعيليين.
وفوراً توجه اسماعيل إلى سلمية منها إلى دمشق. وعلم المنصور بذلك فكتب إلى عامله أن يلقى القبض على الامام اسماعيل ولكن عامله المذكور كان قد اعتنق المذهب الاسماعيلي فعرض الكتاب على الامام اسماعيل الذي ترك البلاد نحو العراق حيث شوهد بالبصرة عام 151هـ وقد مر على مقعد فشفاه باذن الله .


وفاتــــــــــــه:

ولبث الامام اسماعيل عدة سنوات ينتقل سراً بين أتباعه حتى توفي وقد رزق من الأولاد محمد وعلى وفاطمة .
ونص على إمامة ولده الأكبر محمد بحضور نخبة من الدعاة المخلصين.
وكان الامام اسماعيل هو أول امام مستور وكان بدء ستره سنة 145هـ .







التعديل الأخير تم بواسطة يمام ; 02-05-2005 الساعة 09:59 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:15 AM رقم المشاركة : 10
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام محمد بن اسماعيل عليهما السلام( الشاكر ابو عبدالله )



مولـــــــــــــده


ولد الامام محمد بن اسماعيل الملقب بالحبيب في المدينة المنورة وأصبح إماما بعد النص عليه.
وكان ذلك عقب وفاة أبيه وكان له من العمر 26 عاماً عندما تسلم شؤون الإمامة فاستتر عن الأنظار خشية بطش الخليفة العباسي الذي كان يتبع خطاه ويقتفي أثره للقبض عليه ، فكان الامام يتنقل سراً في البلاد التى يقطنها أتباعه الاسماعيلية .

( وقد لقب بالإمام المكتوم لأنه لم يعلن دعوته وأخذ يبثها خفية وهو ثاني أمام مستور).

انتشرت بعهده الدعوة الاسماعيلية انتشاراً عظيماً على أيدي دعاة أفذاذ اشتهروا بمقدرتهم العلمية وحججهم المنطقية القوية وبراعتهم التامة في الفقه والعلم والأحكام فقويت شوكة الاسماعيلية بعهدهم وهابتهم الملوك والأمراء. مما جعل الخليفة العباسي ينقم عليهم فيكتب لجميع عماله في الأقطار التى يحكمها طالباً إليهم التفتيش عن الامام الاسماعيلي محمد بن اسماعيل المستور وإلقاء القبض عليه وعلى كل منا يناصره ويؤيد دعوته.
علم الامام محمد الحبيب بالأمر (( قيل علم ذلك عن طريق زوجة الخليفة العباسي الرشيد زبــيــدة التى كانت تعتنق المذهب الاسماعيلي سراً )) فارتحل مع دعاته إلى بلا الري حيث الحاكم إسحاق بن عباس الفارسي الذي رحب بمقدمه باعتباره من الاسماعيليين العريقين.
وبالحقيقة فقد ساعد هذا الحاكم الامام على نشر دعوته في تلك البلاد ، فعلم الرشيد بذلك وأمر بإحضار الحاكم المذكور فجلد بين يديه حتى مات .
بعد هذا الحادث قرر الامام أن يذهب إلى( نهاوند ) حيث استقر به المقام هناك فتزوج من ابنة أمير تلك المقاطعة ( أبو منصور بن جوش ) ورزق منها أربعة أطفال .
ووردت الأخبار إلى الخليفة العباسي بأن الامام محمد بن اسماعيل قد استقر في ( نهاوند ) وأخذت دعوته تنتشر بسرعة في تلك المقاطعة ، فأرسل إلى نهاوند حملة عسكرية كبيرة لإلقاء القبض عليه والقضاء على دعوته قبل انتشارها ولكن الاسماعيليين علموا بتلك الحملة فأحاطوا بها وردوها على أعقابها مدحورة .

بعد تلك المعركة قرر الامام إن يترك نهاوند إلى ( دماوند ) حيث عمل دعاته على نشر الدعوة فيها وبنى ومدينة ( محمود آباد ) التى ما تزال باقية حتى الآن وتعرف بهذا الاسم وبعد ذلك غادر الامام محمد الحبيب ( دوماوند ) متخفياً نحو مدينة تدمر في سوريا وكان ذلك سنة 191هـ فاتخذها مقراً له وكان يؤمها الإسماعيليون من العراق وبلاد فارس وسوريا .
ومن تدمر أوفد الامام إلى المغرب الداعيين المشهورين الحلواني وأبو سفيان وقال لهما إنكما ستدخلان أرضاً بوراً لم تحرث قد فاحرثاها وكرماها وذللاها حتى يأتي صاحب البذر فيضع حبه ، فنزل ابو سفيان بمدينة كتامة وقيل مدينة ( مرماجنه ) ونزل الحلواني بموقع يسمى ( سوق حماد ) فمالت إليها قلوب أهل تلك البلاد وحملوا إليها التحف والأموال .


وفاتــــــــــــه


نص الامام محمد الشاكر قبل وفاته على إمامة ولده الأكبر الرضي أبو أحمد .







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 06:05 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:19 AM رقم المشاركة : 11
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام عبدالله بن اسماعيل (( الرضي أبو احمد ))

مولــــــــــــــــده


ولد الامام عبدالله بن الامام محمد بن اسماعيل الملقب (( بالوفي )) و(الرضي ) في مدينة ( محمود آباد ) وأمه الأميرة فاطمة بنت الأمير أبي منصور ابن الجوش. ومن ألقابه ( أحمد الوفي ، والناصر ، والعطار ، عبدالله الأكبر )
.

تولى الامامه بعد وفاة أبيه فغادر تدمر إلى السلمية عام 194هـ يصحبه عدد كبير من رجالات الدعوة الاسماعيلية الأفذاذ ، حيث أتخذها مقراُ لإمامته ومركزاً رئيساً لدعوته يرسل منها الدعاة إلى الأقاليم المختلفة لنشر الدعوة فيها وكان الدعاة من الجرأة بمكان ، جلدون على الشدائد حتى إذا ما وقع بيد الخليفة كان يجلد ويعذب أشد العذاب دون أن يتمكنوا من أخذ الاعترافات منه أو أن يعلم بمكان استقرار الامام وكثيراً ما أدى عذابهم إلى الموت.

وقد رتبت الدعوة ترتيباً محكماً ونظمت تنظيماً دقيقا. ًفي عهد الامام أحمد الوفي كانت الأموال والذخائر تنقل إلى السلمية من كل بلد إسماعيلي بواسطة الدعاة ، وكان قد حفر سرداباً في الصحراء حتى داخل بيت الامام في سلمية طوله 15 ميلاً وكانت الأموال والذخائر تحمل على الجمال فيفتح لها باب السرداب في الليل وتنزل فيه بأحمالها عليها حتى تحط في داخل الدار وتخرج في الليل ثم يهال على باب السرداب بالتراب فلا يدري به أحد أو قيل أن الأموال التى كانت تصل إلى السلمية في عهد الامام أحمد الوفي مركزاً للدعوة الاسماعيلية مما قد ساعد على انتشارها بسرعة في الشرق الأدنى والمغرب نظراً لقرب السلمية من العراق وبلاد العرب وبلاد البحرين واليمن وكذلك تعرضت الدعوة بعهده لنقمة الكثيرين من الخلفاء والأمراء ، فكانوا يطاردونهم ويقتلونهم أينما وجدوا ولكن تلك النقمات لم تؤثر في نشاطهم المستمر ، فاجتمعت طائفة من العلماء الاسماعيلية وألفوا اثنين وخمسين رسالة فلسفية عرضوها على الامام أحمد الوفي فسماها ( رسائل أخوان الصفا وخلان الوفاء) ولخصها في رسالة واحدة سماها ( رسالة الجامعة ) وألف رسالة أخرى جمعت علوم جميع الرسائل وسماها ( جامعة الجامعة ).
ولما أطلع المأمون الخليفة العباسي على تلك الرسائل ذهل وأمر بالتنقيب عن مؤلفيها المجهولين فذهبت جهوده التى بذلها في سبيل ذلك أدراج الرياح.
وأيقن أن مؤلفها ليس من العلماء المغمورين بل لا بد أن يكون أحد الأئمة المستورين فجد في البحث عنه حتى قبض على احد دعاته ويدعى ( أبو ترمزي) وقابل الخليفة المأمون فأظهر له أثناء محادثاته أنه من المعتقدين المخلصين في الامام وطلب منه أن يدله على مكان الامام فأبى فقتله المأمون.
ولما بلغ الامام الخبر وهو في السلمية فقام بسياحة كبيرة زار فيها الكوفة ثم بلاد الديلم ثم عاد إلى السلمية ماراً بمعسكر مكرم وبعد أن أقام مدة بالسلمية قصد بلدة محمود آباد وتولى الامامة بعده ولده الامام ( التقي ابو الحسين ) بعد إن نص على ولده أحمد الملقب بمحمد التقي .


توصلت الاسماعيلية في عهد الامام الوفي أحمد إلى درجة عظيمة من العلم والثقافة مما عظم مركزهم وانتشرت علومهم ومؤلفاتهم الفلسفية التى أحدثت ضجة قويه في جميع الأوساط العلمية







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 06:08 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:51 AM رقم المشاركة : 12
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام أحمد بن عبدالله (التقي أبو عبدالله )


مولـــــــده:


ولد الامام أحمد بن عبدالله الملقب بـ (التقي ) في مدينة السلمية ، تولى الإمامة بعد وفاة أبيه .
وتولى الامامة في مدينة (محمود آباد) وغادرها إلى السلمية سراً حيث أصبحت السلمية مركزاً لنشر دعوته في الأقطار المجاورة .

فازدهرت الدعوة الاسماعيلية ازدهارا عظيماً وخاصة في سوريا واليمن على أيدي دعاة نشيطين عرفوا بمقدرتهم العلمية أمثال أبي القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن زاذان الكوفي رئيس مدرسة الدعاة في اليمن وموضع ثقة الامام ولقب بالمنصور لكونه حقق انتصاراً كبيراً للدعوة في اليمن والمغرب وجميع الأقطار التى كانت تحت أمرته ، ولقد شبهه بأنه كان يمثل الفجر وبه كشف الله عز و جل عن الأولياء وأنار الظلمة وترك هذا الداعي الكبير مؤلفات علمية وفلسفية كثيرة ، هذا عدا الترتيبان والتنظيمات الكثيرة التى أجراها بين الدعاة .

ولقد تعرض الامام أثناء وجوده في السلمية لمضايقات الخلفاء العباسيين المستمرة لذلك وجد بأن السلمية لم تعد مكاناً صالحاً له فغادرها سراً إلى الري حيث استقر فيها مدة طويلة عمل خلالها لنشر دعوته على نطاق واسع فاعتنقها أكثر الملوك والأمراء وقدموا جميع إمكانياتهم لمساعدة الدعاة في سبيل نشرها وتعميمها في جميع الأقطار الشرقية ، والجدير بالذكر أن أكثر الحكام والولاة في العهد العباسي كانوا يتظاهرون بنقمتهم على الاسماعيلية بينما كانوا يدينون بعقائدها في الباطن وينصرون الدعاة ويعملون سراً على تقوية الدعوة وإنجاحها.


وفاتـــــــــه:


عاد الامام إلى السلمية ومنها إلى مصياف بعد أن نص على إمامة ولده عبدالله الرضي .

وصلت الدعوة الاسماعيلية بعهد الامام أحمد التقي إلى درجة عظيمة من الرقي والنجاح والازدهار وهذا ما ساعد على تأسيس الخلافة الاسماعيلية في المغرب التى كانت مقدمة الخلافة الفاطمية الكبرى في القاهرة والتي بدأ بتأسيسها الامام محمد المهدي حفيد الامام أحمد التقي والتي استمر على أريكتها ثلاثة من الأئمة الفاطميين ثم انتقل الرابع منهم وهو المعز إلى القاهرة .







التعديل الأخير تم بواسطة يمام ; 02-21-2005 الساعة 12:44 AM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:54 AM رقم المشاركة : 13
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام الحسين بن أحمد ( الزكي ابو عبدالله )





وبعد انتقال أبيه أصبح إماما للإسماعيلية وانتقل إلى همدان ثم إلى أذربيجان والى استنبول وفي هذه الأماكن كان يوزع الدعاة على مختلف المناطق الإسلامية ، لم يستقر به المقام طويلاً في استنبول فغادرها إلى السلمية ومن السلمية إلى عسكر مكرم ( عسكر مكرم بلد في نواحي خوزستان راجع معجم البلدان لياقوت) .
واتخذ الحسين بن عبدالله بن ميمون القداح حجة له وحجاباً عليه.
في عهد الامام ( الزكي ) تقدمت الدعوة الاسماعيلية تقدماً عظيماً فازدهرت العلوم وانتظمت الدعوة انتظاماً دقيقاً فكانت رئاسة الدعوة في السلمية أو ( عسكر مكرم ) تتصل مع الدعاة بواسطة الحمام الزاجل الذي بدع في استخدامه الدعاة الاسماعيلية ويعتبرون أنهم أول من استخدمه للغايات السياسية والأمور الحربية.

ونبغ دعاة عظماء كانت لهم جولات موفقة في عالم الأدب والتأليف والفلسفة فانتشرت دعوتهم وتفانوا في الدفاع بالقلم واللسان.

لما علم الامام الزكي بأن الدعوة في المغرب تتقدم باستمرار أوعز إلى الداعية الكبير أبي عبدالله الحسين أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي الذي كان يعلم الناس المذهب الاسماعيلي في البصرة كي يذهب إلى مدرسة الدعوة في اليمن ليدرس هناك على ابن حوشب وأمره أن يطيعه وأن يقتدي به ثم يذهب بعد فراغه من الدراسة إلى المغرب قاصداً بلدة ( كتامة ).

توجه أبو عبدالله إلى اليمن حيث شهد مجالس ابن حوشب وأصبح من كبار أصحابه وهناك علم وفاة الحلواني وأبو سفيان ( دعاة المغرب ) فقال لأبي عبدالله الشيعي إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك فبادر فإنها موطأة لك .

خرج أبو عبدالله الشيعي إلى مكة مع حج اليمن فلقي بها رجالات من كتامة أختلط بهم فوجدوا بذوراً من العقائد الاسماعيلية فارتحل معهم إلى كتامة ووصلها منتصف ربيع الأول عام 288هـ وجاهر بالدعوة الاسماعيلية قائلاً للكتاميين ( أنا صاحب العذر الذي ذكره لكم أبوة سفيان والحلواني ) فازدادت محبتهم له واستقام له أمر البربر وعامة كتامة ، فلما تم ذلك ذهب إلى مدينة ( جبله ) فانتشرت جيوشه بالبلاد بعد إن قتل ( الأحول ) ودحر جيشة المؤلف من 24 ألف مقاتل وخفقت ألوية الاسماعيلية في كل مكان .

أما رئيس دعاة اليمن ابن حوشب فإنه زحف من مقره ( حصن جبل لاعة ) ففتح مدائن اليمن وملك صنعاء وأخرج بنى ( يعفر) منها وفرق الدعاة في أنحاء البلاد والبحرين واليمامة ، والسند والهند ومصر .

هذا ما جعل الخليفة العباسي يرسل جنوده في طلب الامام الذي غادر البلاد إلى السلمية مع كبار رجال دعوته .
بقى سيدنا الامام في السلمية

وعهد بالإمامة من بعده لابنه محمد المهدي وقال له:
( انك ستهاجر بعدي هجرة وتلقى محناً شديدة ) .







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 01:32 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 09:58 AM رقم المشاركة : 14
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام أبو محمد المهدي (المهدي بالله )



مولـــــــده:



ولد الامام عبدالله أبو محمد المهدي ابن الامام الحسين الزكي فى الثانى عشر من شوال سنة 260هـ في مدينة سلمية وتقع على حافة الصحراء السورية وعلى مسافة 30كيلو متر إلى الجنوب الشرقي من حماة استلم شؤون الإمامة بعد وفاة أبيه عام .

في عهده انضمت أكثر قبائل المغرب للداعي الاسماعيلي الكبير ( أبي عبدالله الشيعي ) مؤسس الدولة الفاطمية في القارة الأفريقية ، وأحرزت الجيوش الاسماعيلية الانتصارات في جميع المعارك فانتشرت في تلك البلاد وخفقت ألويتهم عالية وتفرقت دعاتهم يدعون الناس للانضواء تحت علم الامام الفاطمي والاستقاء من معينه العذب الذي لا ينضب ، معين العلم والفلسفة والجهاد والحق في سبيل الغاية المثلي لحياة أفضل .

بعد أن استقر الداعي أبو عبدالله في تلك الديار رأى من الأنسب كما هي عادة الدعاة ( الرجوع للإمام في كل مناسبة ) أن يعلم أمامه عما وصلت إليه قضيته من نجاح في المهمة التى ألقيت على عاتقه ، فسير أخاه أبا العباس محمد بن أحمد على رأس وفد من إسماعيلية المغرب لينقل للإمام المهدي الأخبار والتفاصيل ، بما فتح الله على يده وانه ينتظر أوامره إذا ما أراد أن ينقل مقر الامامه إلى المغرب لأن سلمية لم تعد مكاناً صالحاً لإقامة الأئمة الاسماعيليين المستورين بعد إن ازداد النشاط الاسماعيلي في المغرب واليمن بالإضافة إلى أن الخليفة العباسي قد شدد في طلب القبض على الامام الذي تروج الدعوة باسمه بعد أن بلغه ما توصلت إليه الدعوة في المغرب واليمن من تقدم وازدهار. فأوعز لوالي السلمية أن يفتش عن الامام أبو محمد المهدي ويقضي على دعوته قبل أن يستفحل خطرها.

وصل الوفد الذي أرسله أبو عبدالله من المغرب وسلم رسالة أبى عبدالله للإمام المهدي وبعد أن علم مضمونها وعرف بان البقاء في الإقليم السوري لم يعد يتفق والغاية الإمامة المثلي قرر المهاجرة إلى المغرب بعد أن أمر رجالات الدعوة في السلمية بأن يكونوا على أهبة الاستعداد للسفر معه .

وبعد أن تهيأت جميع الوسائل والسباب لهجرة الامام محمد المهدي إلى المغرب خرج ومعه خاصته ومواليه ، وكان خروجه من السلمية وقت العصر ، وكانت وجهته مدينة حمص ومنها قصد طرابلس الشام وقيل أنه قصد الرملة بعد أن مكث في طرابلس يوماًُ واحداً ، أما مدة أقامته في الرملة في رجب 289هـ منتصف 291هـ ثم غادرها باتجاه مصر فدخلها مستتراً بزي التجار فأتت الكتب إلى عيسى النوشري أمير مصر من الخليفة العباسي ليقبض على الامام محمد المهدي فلما قرئت الكتب كان في المجلس أحد الاسماعيلية فنقل الخبر للإمام فغادر مصر مع أصحابه.

فرق النوشري الأعوان في طلب الامام وخرج بنفسه فلحقه وليقبض عليه ولكنه أطلقه بعد أن أمن بدعوته ودخل في مذهبه وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته . وقيل أنه أعطاه مالاً حتى أطلقه [ ابن الأثير ج 8 ص44 ].
سار الامام حتى قسطنطينية ومنها إلى سجلماسة حيث قبض عليه واليها العباسي اليسع بن مدرا ر ووضعه في السجن.

علم أبو عبدالله الشيعي بأن الأمام قد وصل سجلماسة وألقى عليه القبض واليها العباسي علم بذلك عن طريق أخيه العباس الذي رافق الامام في رحلته ، فبادر لجمع الجيوش الاسماعيلية التى بلغ عددها 200 ألف فارس وراجل ، خرج في أول شهر رمضان سنة 296هـ من بلدة ( رقادة ) فاهتز المغرب لخروجة وخافته قبيلة زناتة وزالت القبائل عن طريقه وجاءته رسلها ودخلوا في طاعته [ اتعاظ الحنفا ص 84-89-90 . ابن الأثير الجزء 8 ص 19-32-34 ] .

كتب أبو عبدالله كتاباً إلى الامام يبشره بقدومه وقد أرسله مع بعض ثقاته فدخل إلى السجن بزي قصاب وسلم الكتاب للإمام.

طوقت جيوش أبي عبدالله سجلماسة عدة أيام فقاتل اليسع بن مدرا ر حتى دحرت جيوشه وولى الإدبار فألقي عليه القبض وقيل أعتنق المذهب الاسماعيلي فأطلق سراحه.

وهكذا زال ملك بنى الأغلب من أفريقيا وملك بنى مدرا ر بعد أن أستمر 103 سنوات سجلماسة . وأخرج الامام محمد المهدي من السجن في السابع من ذي الحجة سنة 296هـ. فبويع من عامة مسلمي سجلماسة.

ارتحل الامام من سجلماسة بعد أن لبث فيها 40 يوماً نحو أفريقيا فوصل لمقر ملكه ( رقاده ) بعد إن زال ملك بنى رستم من ( تاهرت والذي استمر 160 سنة ) وكان عمره لا يتجاوز الخامسة والثلاثين وطبقاً لرواية شاهد العيان [ كان شبابه قد اكتمل ولم يكن هناك أثر لشيب في شعره ] وولده ذو الستة عشر ربيعاً أبو القاسم خليفته مستقبلاً على العرش بلقب القائم بأمر الله واتخذ الامام وولده أجنحة لهما في قصور رقـّادة.

وبالأمكان زيارة آثار رقـّادة اليوم على بعد تسعة كيلو مترات إلى الجنوب من القيروان بعد أن أزال عنها التراب علماء الآثار.

وأمر أن يخطب له يوم الجمعة وسير الدعاة إلى مختلف المناطق يدعو الناس للدخول في المذهب الاسماعيلي.

وهكذا انتهى دور الستر والتخفي الذي بدأ بالإمام اسماعيل وبدأت حياة جديدة حيث أستقر الامام وتولى السلطتين الزمنية والروحية واخذ يمد سلطانه شرقاً وغرباً ليقيم ملكه على أساس متين.

وامتدت الإمبراطورية التى حكمها أول الخلفاء الفاطميين من الساحل الاطلسى لمراكش مشتملة على كامل ما يعرف اليوم بالجزائر وتونس وحتى الساحل الليبي لطرابلس وبرقة في الشرق كما اشتملت على صقلية وهكذا فقد كانت الإمبراطورية الفاطمية قوة بحرية منذ بداياتها الأولى وراحت تتنافس مع الإمبراطورية البيزنطية على السيطرة والتفوق في البحر الأبيض المتوسط.
وشكلت تونس وسوسة مركزيين رئيسيين لصناعة السفن أما القيروان والمدينة الملكية رقـّادة فقد كانتا داخل البر بعيدتين قليلاً عن الساحل ولا بد أن ذلك كان وراء خطة المهدي في إنشاء عاصمة جديدة تقع على الساحل مباشرة ، وقد شاهد جزيرة مهجورة تقع حوالي خمسين كيلو متر إلى الجنوب الشرقي من سوسة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند وفي هذا الموقع تم تشيد عاصمة ملك المهدي الجديدة وسميت( بالمهدية) نسبة إليه وهو أسم لا تزال تحتفظ به حتى اليوم ، وأن يجعل لها سوراً محكماً وأبواباً عظيمة زنة كل مصراع مائة قنطار. وبوشر البناء يوم السبت في الخامس من ذي القعدة سنة 303هـ وشيد قصر المهدي فوق أعلى نقطة من الهضبة وفي مواجهته إلى أسفل الهضبة كان قصر خليفته على العرش الفاطمي أبي القاسم ( القائم ) وكان الامام الخليفة يظهر صباح عيد الفطر وعيد الأضحى شخصياً مع كامل رجال بلاطه ليؤم الناس في الصلاة وإلقاء خطبة العيد ، وتعتبر مدينة المهدية على الساحل التونسي مثل القاهرة واحدة من أهم مآثر التاريخ الفاطمي الاسماعيلي ولا يزال بالامكان حتى الآن التمتع بمعالم عظمة الفاطميين في كل مكان ، البوابة التى لا يمكن اختراقها ، بقايا السور البحري ، حوض الميناء ، والمسجد المرفوع على مصطبة صناعية ناتئة إلى داخل البحر بوابته الفخمة المشابة لقوس النصر الروماني وبقى المسجد الذي أبتناه المهدي لنفسه وحاشيته خراباً حتى تم ترميمه بالكامل في الستينات.

وشيدت فيها دار لصناعة السفن الحربية الكبيرة ، وأقيمت المعاهد العلمية في جميع المناطق ، وعم الفقه الاسماعيلي المستمد من تعاليم الامام جعفر الصادق وأمر أن يقضى بموجبه ، وشكل جيشاً من الاسماعيليين فقضى على النفوذ العباسي في تلك البلاد.


حاول الامام أبو محمد المهدي أن يفتح مصر بعد أن انتشرت فيها الدعوة الاسماعيلية على أيدي بعض الدعاة فأرسل سنة 301هـ جيشاً بقيادة ولي عهده القائم بأمر الله فأحتل برقة واستولى على الإسكندرية والفيوم وصار في يده أكثر البلاد.



وفاتـــــــــه:


توفي الامام المهدي في الخامس عشر من ربيع الأول سنة 322هـ وكان عمره 62 عاما بعد أن نص على إمامة ولده القائم بأمر الله ودفن في المهدية .







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 01:43 PM .
رد مع اقتباس
قديم 02-05-2005, 10:02 AM رقم المشاركة : 15
يمام

المنتــديات الإسلامية


الصورة الرمزية يمام

تاريخ التسجيل : Dec 2003
رقم العضوية : 85
مجموع المشاركات : 1,043
مشاركتي في اليوم بمعدل: 0.21
معدل التقييم : 29
معدل تقييم المستوى : يمام is on a distinguished road
آخر تواجد : 06-15-2017 (03:00 AM)

يمام متصل الآن

الامام القائم بأمر الله


مولـــــــده:


ولد الامام محمد القائم بأمر الله ابن الامام عبدا لله المهدي في سنة 275هـ بالسلمية وأرتحل مع أبيه الامام ابومحمد المهدي إلى المغرب وعهد إليه بالامامه من بعده.

فأقتفى أثر أبيه وخطا خطاه ونهج نهجه وعمل جاهداً على تعزيز وازدهار الدعوة الاسماعيلية وتعميمها في جميع البلدان والأقاليم ، ووجه اهتمامه الزائد لتنظيم وتقوية البحرية الاسماعيلية فشكل أسطولاً عظيماً تمكن بواسطته من قهر العصابات البحرية المالطية التى كانت تأتي بأعمال القرصنة لغزو البلاد الاسماعيلية وقيامهم بأعمال النهب والسلب والتخريب وأختل الأسطول الاسماعيلي ( جنوه ) و ( لونبارتي ) و (غرنا طه) وغيرها من البلاد الايطاليه التى كانت خاضعة لحكم الروم ، كما فتح المسلمون جزيرة ( صقليا ).

رغب الامام بان يتوسع في المغرب الأقصى لكي يتمكن من القضاء على الثورات الداخلية التى كان قد أشعلها أذناب وبقايا فلول العباسيين والأمويين المتوارين عن الأنظار ، فجهز جيشاً كبيراً بقيادة ( ميسور الفتى ) لغزو المغرب الأقصى فوصل إلى ( فأس ) وإلى ( تكر ور ) وأرسل جيشاً بحرياً بقيادة ( يعقوب بن اسحق ) لغزو بلاد الروم ، كما سير جيشاً آخر بقيادة (زيدان) إلى مصر ، فدخلوا الإسكندرية وتقابلوا مع جيش الإخشيدي.

وفي سنة 333هـ أخرج الامام القائم بأمر الله الجيوش لضبط البلاد وإعادة الأمن فيها ، فأرسل جيشاً مع ( ميسور الفتى )وجيشاً آخر مع (بشره الفتى) لمحاربة قبائل زناتة التى شقت عصا الطاعة ويقودها زعيمها ( أبو يزيد ) فالتقى الجيشان في معركة حامية أنهزم على أثرها أصحاب أبي يزيد وقتل منهم 4000 كما أسر منهم 500 أسير.
جمع أبو يزيد فلول جيشه المدحور متجهاً صوب تونس في العشرين من صفر سنة 334هـ فوصلها ونهب جميع ما فيها وسبى النساء والأطفال وقتل الرجال وهدم المساجد ، وقد التجأ أثر ذلك أكثر الناس الهاربين إلى البحر فغرقوا.

سير الامام جيشاً آخر لقتال أصحاب أبي يزيد في تونس فقتل منهم خلق كثير وولوا الأدبار فدخلت جيوش الامام منصورة إلى تونس في الخامس من ربيع الأول سنة 334هـ.


كان عهد الامام القائم بأمر الله عهد حروب وفتوحات لنشر الدعوة في جميع البلاد وللقضاء على العناصر الهدامة الثائرة التى كانت تعيث فساداً في البلاد ولقمع غزوات القراصنة الدائمة هذا ما جعل القسم الأعظم من البلاد يتعرض للدمار والتخريب والسلب والقتل ، ومع هذا فقد تمكن الامام من القضاء على تلك العناصر الفاسدة وأخمد جميع الثورات الداخلية ووزع الأموال والهبات على الشعب المنكوب.

وازدهرت بعهده الدعوة الاسماعيلية وانتشرت دعاتها في جميع الأقطار منهم دعاة أقوياء وكتاب عظماء كان لهم اكبر الأثر في انتشار الدعوة في ذلك العصر نذكر منهم :


الداعي الكبير أبو يعقوب بن إسحاق بن احمد السجستاني.
الداعي الكبير أبو حاتم الرازي الورثنياني.
الداعي عبدالله بن أحمد النسفي البرد غي .


فكان عهد الامام القائم بأمر الله يتميز بشيئين :


االأول :

حروبة في سبيل نصرة الدعوة الاسماعيلية.



الثاني:

انتشار الدعوة الاسماعيلية على أساس علمي مبين بفضل وجود أكبر عدد من الدعاة النشيطين المتمكنين من أسرار الدعوة مع قوة الحجة وأصالة بإقناع مناقشيهم حتى دخل بالمذهب الاسماعيلي أكثر حكام النواحي والأمصار.




وفاتـــــــــه:


توفي الامام القائم بأمر الله في 13 شوال سنة 334هـ بعد أن نص على امامة ابنه المنصور ودفن بالمهدية وكان عمره 59 عاما .







التعديل الأخير تم بواسطة الشاهين ; 02-05-2005 الساعة 01:49 PM .
رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 78 ( الأعضاء 1 والزوار 77)
$الحوت االذكي$
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سجل حضورك اليومى بالصلاة على النبي الأعظم وأهل بيته الأطهار . نورة الصانع المنتـــدى الإســلامي 4075 05-23-2017 12:55 AM
تغطية مصورة : وفاة الرسول الأعظم ص بالمدينة المنورة المحترف2 المنتـــدى الإســلامي 4 01-12-2011 07:03 PM
سيرة أهل البيت الأطهار منذ وفاة الرسول الأعظم حتى الأمام الطيب ابوالقاسم سابع المتمين يمام منتــــدى الدفاع عن المذهب الإسماعيلي 52 04-05-2006 08:35 AM


الساعة الآن 11:44 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
شبكة منتديات أساتذة نجران ومثقفوها

Security byi.s.s.w